النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها مَرِيْضًَا."ثُمَّ إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً"أيْ شَعَرَ بِخِفَّةٍ فِي مرضه ونشاط في جسمه"فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْن"أي خرج يَتَّكِئُ عليهما ويَسْتَعِينُ بِهِمَا على مَشْيِهِ؛"أَحَدُهُمَا الْعَبَّاس لِصَلاَةِ الظُّهْرِ؛ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ"."فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ لاَ يَتَأَخَّرَ"أي فأشار النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أَبِي بَكْرٍ أنْ لا يَتَأَخَّرَ عَنْ مَكَانِهِ"قَالَ: أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ يَأْتَمُّ"أيْ حال كَوْنِهِ قائمًا"بِصَلاَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أيْ يَأْتَمُّ بالنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلاتِهِ كما جاء مُصَرَّحًَا بذلك في رِوايَةٍ أُخْرى؛"وَالنَّاسُ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ"أيْ وَكَانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بالتَّكْبِيرِ والتَّحْمِيدِ عند السُّجُودِ والرُّكُوعِ، والنَّاسُ يَسْمَعُونَ تَبْلِيغَهُ وَيَتَّبِعُونَهُ"وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ"أيْ والحَالُ أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ وأبو بكر والنَّاسُ من خَلْفِهِ قِيَامٌ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّ المَأْمُومَ يَأْتَمُّ بإمَامِهِ ويتبعه في خفضه للركوع والسجود ورفعه منهما، ولا يسبقه في شَيْءٍ من ذلك كما في حديث الباب حيث قال:"فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ يَأْتَمُّ بِصَلاَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أيْ ويتبعه فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وهذا هو حقيقةُ الائْتِمَامِ كما ترجم له البُخَارِيّ.
ثانيًا: أنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّي المَأْمُومُ قَائِمًَا خَلْفَ إِمَامٍ يُصَلِّي قَاعِدًَا، قَالَ العَيْنِيُّ:"وَفِيه دَلِيل على صِحَّةِ إِمَامَةِ الْقَاعِدِ للقَائِمِ أَيْضًا خلافًا لما رُوِيَ عَن مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ ولمحمد بن الْحسن وَقَالا فِي ذَلِك أَنَّ الَّذِي نُقِلَ عَنهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ خَاصّا بِهِ. وَاحْتج مُحَمَّد أَيْضًا بِحَدِيث جَابرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنّ رَسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَالَ:"لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا" (2) . وَقَالَ بْنُ بَزِيزَةَ:"لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْعَ الصَّلَاةَ بِالْجَالِسِ أَيْ يُعْرَبُ قَوْلُهُ جَالِسًا مَفْعُولًا لَا حَالًا"اهـ (3) ، واحتجوا بالحديث الآتِي عن عَائِشَةَ."
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ:"فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ يَأْتَمُّ بِصَلاَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
(1) بكسر الميم وسكون الخاء، قال في"لسان العرب"وهو إناء تغسل فيه الثِّيَاب، وهو ما يسمى بالطَّسْتِ.
(2) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ جَابِرٍ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، قَالَ: وَالْحَدِيثُ مُرَسَّلٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ.
(3) "فتح الباري"لابن حجر:"بَابُ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ"ج 2 ص 175.
ـــــــــــــــــــــــــــــ