هَذَا»"أي اذكروا لي ثَمَنَهُ لأنِّي أريد شراءه منكم"قَالُوا: لاَ وَاللَّهِ لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّه"أي لا نأخذ منك مالًا، وإِنَّمَا نطلب عليه الأجر من الله تعالى، وكان لغلامين من الأنصار فاشتراه منهما."
"فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ وَفِيهِ نَخْلٌ"وخرب بفتح الخاء وكسر الراء جمع خَرِبة مثل كَلِم وكلمة أي آثار أبنية قديمة متساقطة."فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ"أي فأخرج ما فيها من الرِّمَمِ البَالِيَةِ."ثُمَّ بِالخَرِبِ فَسُوِّيَتْ"أيْ أزيلت تلك الأطلال المتبقية من آثار المنازل والدِّيار، حتى سُوِّيَتْ بالأرض."وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ"أيْ فَجَعَلُوا جُذُوعَ النَّخْلِ أعمدة للرُّواق القبلي من المسجد، وسقفوه بِالجَرِيدِ"وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الحِجَارَةَ"أيْ بنوا جَانِبَيْ بَابِ المَسْجِدِ مِنَ الحِجَارَةِ كما جاء فِي الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"أَنَّ مَسْجِدَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ سَوَارِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ أَعْلاَهُ مُظَلَّلٌ بِجَرِيدِ النَّخْلِ ..."إلخ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ (3) ."وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ"، يقولون:"اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ"أيْ إنَّ الخَيْرَ الحَقِيقِيِّ في نعيم الآخرة، لأَنَّهُ دَائِمٌ وغيره إلى الزَّوَالِ."فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أولًا: جَوَازُ نَبْشِ قُبُورِ المُشْرِكِينَ مُطْلَقًَا لِبِنَاءِ المَسَاجِدِ عليها، لأنَّهُ لا حُرْمَةَ لَهُمْ. قَالَ العَيْنِيُّ:"فَإِنْ قُلْتَّ: هَل يَجُوزُ أَنْ تُبْنَى على قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ؟ قلت: قَالَ ابْن الْقَاسِم: لَوْ أَنَّ مَقْبرَةً من مَقَابِر الْمُسْلِمِينَ عَفَتْ فَبَنَى قَوْمٌ عَلَيْهَا مَسْجِدًا لَمْ أر بذلك بَأْسًا، وَذَلِكَ لِأَن الْمَقَابِر وقف من أوقاف الْمُسلمين لدفن موتاهم لَا يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَمْلِكَهَا، فَإِذا دَرَسَتْ وَاسْتُغْنَيَ عَن الدّفن فِيهَا جَازَ صرفهَا إِلَى الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ الْمَسْجِد أَيْضًا وَقْفٌ من أَوْقَافِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ تَمَلُّكُه لأَحَدٍ، فَمَعْنَاهُمَا على هَذَا وَاحِدٌ. وَذكر أَصْحَابنَا أَنَّ الْمَسْجِدَ إِذا خرب ودثر وَلم يبْق حوله جمَاعَة، والمقبرة إِذا عَفَتْ وَدَثَرَتْ تَعُودُ مِلْكَا لأرْبَابِها، فَإِذا عَادَتْ مِلْكًَا يَجُوزُ أَنْ يبْنى مَوضِعَ الْمَسْجِدِ دَارًا وَمَوْضِع الْمقْبرَة مَسْجِدًا وَغير ذَلِك، فَإِذا لَمْ يكن لَهَا أَرْبَابٌ تكون لبَيْتِ المَالِ"اهـ (4) . وقال الحنابلة:"إذا صَارَ جَسَدُ المَيِّتِ رممًا جازت زراعتها وبناؤها". وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ:"إنْ عُلِمَ أنَّ الأَمْوَاتِ الَّذِينَ قد قُبِرُوا فيها قد بلوا وصاروا رَمِيمًَا فإنَّه يجوز استعمالها بالحرث والزِّرَاعَةِ والبناء وغير ذلك. وإنْ كانوا لم يبلوا فيبقى ما فِي القُبُورِ مُحْتَرَمًَا وينتفع بباقي الأرض؛ واللهُ أَعْلَمُ"اهـ (5) .
ثانيًا: جَوَازُ قَطْعِ الأَشْجَارِ المُثْمِرَةِ لاستعمالِ خَشَبِهَا، واتخاذ موضعها مَسْجِدًَا.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ".
(1) "المدينة بين الماضي والحاضر"لفضيلة الشيخ العياشي.
(2) "آثار المدينة"للشيخ عبد القدوس الأَنْصَاريّ.