على بعد فَرْسَخٍ مِنْ مَكَّةَ"فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي"أيْ فَأَحْرَمْتُ من التَّنْعِيمِ بِعُمْرَةٍ بَدَلًا عن العُمْرَةِ التي أَفْسَدَهَا الحَيْضُ، وإِنَّمَا أَحْرَمَتْ من بِعُمْرَةٍ لأنَّهُ أَوَّلُ الحِلِّ، ولا يَتَعَيَّنُ، وإِنَّمَا يَجِبُ الإحْرَامَ من الحِلِّ من أيِّ جِهَةٍ أو مَوْضِعٍ كَانَ؛"قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلاَ صَوْمٌ وَلاَ صَدَقَةٌ".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: مَشْرُوعِيَةُ نَقْضِ المَرْأَةِ شَعْرِهَا عند الغُسْلِ أيْ حَلِّ شَعْرِهَا، واخْتَلَفَ فِي ذلك الفُقَهَاءُ، فَذَهَبَتْ الحَنَابِلَةُ إلى أنّهُ يَجِبُ نَقْضُهُ فِي الحَيْضِ والنِّفَاسِ دُونَ الجَنَابَةِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وطاووس لِقَوْلِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عند غُسْلِهَا:"وَانْقُضِي رَأْسَكِ". وقَدْ كان ابْنُ عُمَرَ يقول بِوُجُوبِهِ، وبه قال أَحْمَدُ لكن رَجَّحَ جَمَاعَةٌ من أَصْحَابِهِ الاسْتِحْبَابَ فِيهِمَا. أمّا الجمهور فقالوا: يُسْتَحَبُّ للمَرْأَةِ نَقْضُ شَعْرِهَا، ولا يَجِبُ، سَوَاءٌ كان الغُسْلُ من الحَيْضِ والنِّفَاسِ أوْ من الجَنَابَةِ، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ (1) رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: لاَ"أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ؛ وقَدْ حَمَلُوا حَدِيثَ عَائِشَةَ على الاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بين الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ:"بَلَغَ عَائِشَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ. فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لاِبْنِ عَمْرٍو هَذَا يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ، أَفَلاَ يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُؤُوسَهُنَّ، لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. وَلاَ أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلاَثَ إِفْرَاغَاتٍ» (2) . ولا فَرْقَ بَيْنَ الجَنَابَةِ والحَيْضِ، فلا يَجِبُ عليها حَلُّهُ إِلَّا إذا كان عليه طِيبٌ يَمْنَعُ من وُصُولِ المَاءِ.
ثانيًا: اسْتَدَلَّ به الحَنَابِلَةُ على أَفْضَلِيَّةِ التَّمَتُّعِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَإِنِّي لَوْلاَ أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ".
ثالثًا:"اسْتَدَلَّ به الكُوفِيُّونَ على رَفْضِ العُمْرَةِ أيْ إِلْغَائِهَا قَبْلَ تَمَامِهَا، والخُرُوجُ مِنْهَا إلى الحَجِّ، وجَوَازُ ذلك للمَرْأَةِ إذا حَاضَتْ قبل الطَّوَافِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"دَعِي عُمْرَتَكِ"."
وَقَالَ الْجُمْهُور أَنَّهَا تُرْدِفُ الْحَجَّ وَتَكونُ قَارِنَةً وَبِه قَالَ: الشَّافِعِي وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو ثَوْر وَحَمَلَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ على أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِالإِرْدَافِ لَا بِنَقْضِ الْعُمْرَةِ" (3) ."
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَانْقُضِي رَأْسَكِ". قال"القسطلانِي":"لا يُقَالُ لَيْسَ فِي الحَدِيثِ دِلالَةٌ على التَّرْجَمَةِ لأَنْ أَمْرَهَا بِنَقْضِ الشَّعْرِ كَانَ للإِهْلالِ وهِيَ حَائِضٌ لا عند غُسْلِهَا لأَنَّا نَقُولُ: إنَّ نَقْضَ شَعْرِهَا إِنْ كَانَ لغُسْلِ الإِحْرَامِ وهو سُنَّةٌ فَلَغُسْلِ الحَيْضِ أَوْلَى لأَنَّهُ فَرْضٌ"اهـ (4) .
(1) "شرح القَسْطَلانِيّ":"باب نَقْضِ الْمَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ الْمَحِيضِ"ج 1 ص 356.