فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 2668

ذلك بِقِتَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها يَوْمَ الفَتْحِ"فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أي فقولوا له لا حُجَّةَ لك فِي قِتَالِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ، لأَنَّ قِتَالَهُ هذا كان رُخْصَةً اسْتِثْنَائِيَّةً خَاصَّةً به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنَّ اللهَ قَدْ أحَلَّ له القِتَالَ فيها ذلك اليوم، وَأَذِنَ له فيه"وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ"أي ولَمْ يحل لكم القتال فيها أبَدًَا"وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا"بالقتال"سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ"أي فِي وَقْتٍ مَحْدُودٍ وجُزْءٍ معين من يَوْمِ الفَتْحِ، وذلك من طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى العَصْرِ كما فِي حديث ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما."وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ"ومعناه أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمَرَ كُلَّ من حَضَرَ ذلك المجلس أنْ يُبَلِّغَ حديثه هذا لِمَنْ غَابَ عنه، ويَرْوِيَهُ لِغَيْرِهِ حتَّى يَصِلَ إلى مَسَامِعِ أَكْبَرِ عَدَدٍ مُمْكِنٍ من المُسْلِمِينَ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أوَّلًا: وُجُوبُ تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ، ورواية حديث رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتعليمه للنَّاسِ. (قَالَ ابْن بَطَّالٍ:"كل من خاطبه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَبْلِيغِ الْعِلْمِ مِمَّنْ كَانَ فِي زَمَنِهِ فالتَّبْلِيغُ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنٌ، وَأمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فالتَّبْلِيغُ عَلَيْهِم فَرْضُ كِفَايَةٍ. قلت - أي العيني: فِيهِ نظر، فقد ذكر أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ:"أَن التَّبْلِيغ عَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فرض كِفَايَة إِذا قَامَ بِهِ وَاحِد سقط عَن البَاقِينَ، وَقد كَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْيَّ وَالْحُكْمُ لَا يَبُوحُ بِهِ فِي النَّاسِ، لَكِن يُخْبِرُ بِهِ من حَضَرَهُ ثَمَّة على لِسَانِ أُولَئِكَ إِلَى مَن وَرَاءَهُم قَوْمًَا بعد قَوْمٍ، قَالَ: فالتَّبْلِيغُ فَرْضُ كِفَايَةٍ والإِصْغاءُ فَرْضُ عَيْنٍ، والوَعْيُ وَالْحِفْظُ يَتَرَتَّبَانِ على معنى مَا يستمع بِهِ، فَإِنْ كَانَ مَا يَخُصُّهُ تعين عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ يتَعَلَّق بِهِ وَبِغَيْرِهِ كَانَ الْعَمَلُ فَرْضَ عَيْنٍ، والتَّبْلِيغُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَذَلِكَ عِنْد الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمْهُ أَنْ يَقُول ابْتِدَاءً وَلَا بعده، فقد كَانَ قَوْمٌ من الصَّحَابَةِ يُكْثِرُونَ الحَدِيث:"قَالَ رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام"، فَحَبَسَهُمْ عُمَرُ، رَضِي الله عَنهُ، حَتَّى مَاتَ وَهُمْ فِي سجنه"انتهى كلامه"(2) .

فَالْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي رِوَايَةِ السُّنَّةِ وتَبْلِيغِهَا، وإنْ لَمْ يَكُنْ المُحَدِّثُ عَالِمًَا بِشَرْحِهَا، فَقِيهًَا فِي معانيها وأحكامها، لأَنَّ المُحَدِّثَ لا يَلْزَمُ منه أَنْ يكون فَقِيهًَا، ولكن عليه أنْ يَرْوِي الأحاديث التي حفظها لغيره. فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ"أخرجه أحمد (وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيّ) (3) . فَإِنْ جَمَعَ المُحَدِّثُ بين الرِّوَايَةِ والفِقْهِ فهو نُورٌ على نُورٍ.

ثانيًا: تَحْرِيمُ القِتَالِ فِي مَكَّةَ، وسَفْكِ الدِّمَاءِ فيها، وقَطْعِ أشْجَارِهَا، والاصْطِيَادِ من صَيْدِهَا، وسيأتِي إيْضَاحُ ذلك.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ"، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: فِي كون التَّرْجَمَةِ جُزْءًَا من الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت