فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 2668

هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ، فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَصَلَّيْتُ صَلاَةَ الفَجْرِ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلَ مَشْرُبَةً لَهُ، فَاعْتَزَلَ فِيهَا، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، قُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَوَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ، أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: لاَ أَدْرِي هُوَ ذَا فِي المَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ، فَجِئْتُ المِنْبَرَ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَقُلْتُ لِغُلاَمٍ لَهُ أَسْوَدَ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ، فَكَلَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ، فَانْصَرَفْتُ، حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ الغُلاَمَ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا، فَإِذَا الغُلاَمُ يَدْعُونِي قَالَ: أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ (2) لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ، فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: «لاَ» )"فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ"أي فاطْمَأَنَتْ نَفْسُهُ، وجَاشَتْ مَشَاعِرُهُ بَهْجَةً وسُرُورًَا، فَكَبَّرَ من شِدِّةِ الفَرَحِ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أَوَّلًا: عِنَايَةُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم بأخبار النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً، وأخبار المسلمين عَامَّةً، سِيَّمَا أخبار الْوَحْيّ الْإِلَهِيّ، ومَا يَنْزِلُ به من الشَّرائِعِ والأحْكَامِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الْوَحْيّ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ".

ثَانِيًَا: التَّرْغِيبُ فِي طلب العلم، والحِرْصُ على حُضُورِ مَجَالِسِهِ مَهْمَا كانت الظُّرُوفُ، فَإِنَّ أَصْحَابَ رسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ تَمْنَعُهُم أعْمَالُهُم عن حُضُورِ هذه المَجَالِسِ، حتَّى أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كان يتناوب مع جَارَهِ الأَنْصَارِيّ الحُضُورِ إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَمَاعِ حَدِيثِهِ، وأَخْذِ العِلْمِ عَنْهُ، فهذا يَدُلُّ على مَشْرُوعِيَّةُ التَّنَاوُبِ فِي العلم لأَصْحَابِ الأعمال كما ترجم له البُخَارِيّ.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ ... إلخ".

(1) قوله:"رمال حصير"هو بضم الراء وتخفيف الميم، وهو ما رُمل، أي نسج، يقال"رمل الحصير"، ونظيره"الركام والحطام"لما ركم وحطم، وقال بعضهم"الرمال"جمع"رمل"بمعنى مرمول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت