النَّاسِ، وتنتشر الفَوْضَى، ويَعُم الظُّلُمُ، وتَتَفَشَّى العداوة والبغضاء، فينهار كيان المجتمع، ويؤدي ذلك إلى القضاء على الأُمَّةِ، وعند ذلك انتظر السَّاعَةِ، إمَّا سَاعَةُ تلك الأُمَّةِ خاصة إذا كان ضياع الأمانة فِي نطاقها، أو ساعة العالم كله إذا ارتفعت الأمانة من الدُّنْيَا كلها، فإنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى؛ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: وُجُوبُ العنايةِ بالسَّائِلِ وطالب العلم، والاهتمام به، وإجابته على سؤاله (1) ، كما فعل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال:"أَيْنَ - أُرَاهُ - السَّائِلُ؟"فسأل عنه، واهْتَمَّ به، وتَوَجَّهَ إليه، وهذا هو واجب العَالِمِ، فإنْ كان السُّؤالُ مِمَّا يُمْكن الإِجَابَة عليه أجابه، وإلا أقنعه بِكُلِّ لُطْفٍ عن عدم إمكانية الإِجَابَة عن سؤاله، فإنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أمر العلماء أنْ يرحّبوا بطلاب العلم، لأنَّهم وصية رَسُولِ اللهِ كما جاء فِي حديثه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثانيًا: من الأدب أنْ لا تسأل العَالِمَ ما دَامَ مَشْغُولًا بالحديث مع غيرك، فإذا سُئِلَ العَالِمُ أَثْنَاء حديثه مع الغير أَخَّرَ الإجابة حتَّى ينتهي من حديثه لئلا تضيع الفائدة، هذا مع الرِّفْقِ بالسَّائِلِ إذا أخطأ فِي سؤاله، لأَنَّ الأعْرَابِيَّ قَدْ أَخْطأ فِي سؤاله عن السَّاعَةِ ولكنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يؤاخذه أو يعاتبه على سؤاله هذا، بل أجَابَهُ بِمَا يمكن الإِجابة عليه، وهو بيان العلامات الدَّالة عليها، أو الدَّالة على السَّاعَةِ الخاصة. ولَمْ يعاتبه أيضًا على سؤاله أثناء حديثه، وإِنَّمَا اكتفى بتأخير إِجَابَتِهِ.
ثالثًا: أنَّهُ لا حَيَاءَ فِي السُّؤالِ عن العلم، والإِلْحَاحَ فيه وتكراره، لزيادة العلم، لأَنَّ السَّائِلَ كَرَّرَ السُّؤال بقوله: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟
رابعًا: أَنَّ الوِلايَاتِ كلها من: قضاء أو إمارة أو شرطة أو غيرها أمانة ومسئُولية يَجِبُ إسنادها إلى مُسْتَحِقِّيهَا من ذوي الدين والأمانة والاختصاص، وإلا فسدت البلاد والعباد، وكان ذلك إيذانًا بانْهِيَارِ الأُمَّةِ، والقضاء عليها.
خامسًا: قال الحافظ: (قَالَ بن الْمُنِيرِ: فِي قَوْلِهِ:"يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ الْحَسَنَ يُسَمَّى عِلْمًا وَتَعْلِيمًا لِأَنَّ جِبْرِيلَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ سِوَى السُّؤَالِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ سَمَّاهُ مُعَلِّمًا! وَقَدِ اشْتَهَرَ قَوْلُهُمْ:"حُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ". وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِيهِ انْبَنَتْ عَلَى السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ مَعًا) اهـ (2) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"بَيْنَمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ".
(1) وقَدْ أمَرَ اللهُ تَعَالَى بالعناية بالسَّائِلِ وطالب العلم فقال عَزَّ وَجَلَّ: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) قال القرطبي فِي تفسيره:"قِيلَ:"