فهرس الكتاب

الصفحة 2159 من 2668

والدَّلِيلَ القَاطِعَ على أنَّ عِيْسَى ليس إِلَهًَا ولا ابْنًَا للهِ تَعَالَى كما يَزْعُمُونَ، ولَكِنَّهُ عَبْدُ اللهِ ورَسُولُهُ، فَلَمَّا أَصَرُّوا على عَقِيدَتِهِم أَمَرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِمُبَاهَلَتِهِم (1) .

ومعنى"المُبَاهَلَةُ": أَنْ يجْتَمعَ قَوْمٌ إِذا اخْتَلَفُوا فِي شَيْء فَيَقُولُونَ:"لَعْنَةُ اللهِ على الظَّالِمِ"؛ أَوْ أَنْ يَجْتَمِع الطَّرَفَانِ رِجَالًا ونِسَاءً وأطْفَالًا؛ ويبتهلا إلى اللهِ تَعَالَى بِأَنْ يلعن الكَاذِبَ فيما يقول، ولذلك عبّر عنها فِي الحديث بالمُلاعَنَةِ حيث قال:"يُرِيدَانِ أَنْ يُلاَعِنَاهُ"أي يُلاَعِنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين طلب منهم ذلك، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ - وهو العاقب: لاَ تَفْعَلْ"، والله لقد علمتم أنَّ مُحَمَّدًَا لَنَبِيٍّ مُرْسَلٍ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، وما لاعن قوم نبيًا قط فيبقى كبيرهم أو ينبت صغيرهم"،"فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلاَعَنَّا لاَ نُفْلِحُ نَحْنُ، وَلاَ عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا"أي نَهْلِكُ نَحْنُ وأبناؤنا. و"قَالاَ: إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا"أي نعطيك ما تطلبه منا"وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا، وَلاَ تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا". قال فِي"عُيُونُ الأَثَرِ":"فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمَّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ وَكَانَ ذَا رَأْيِهِمْ فَقَالُوا: يَا عبد المسيح: ما ترى؟ فقالوا: وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى لَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قط فبقى كبيرهم، ولا نبت صَغِيرهُمْ، وَإِنَّهُ لَلاسْتِئْصَالُ مِنْكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَبَيْتُمْ إِلَّا إِلْفَ دِينِكُمْ وَالإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ فَوَادِعُوا الرَّجُلَ ثُمَّ انْصَرِفُوا إِلَى بِلادِكُمْ. فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَدْ رَأَيْنَا أَنْ لا نُلاعِنَكَ، وَأَنْ نَتْرُكَكَ عَلَى دِينِكَ وَنَرْجِعَ عَلَى دِينِنَا، وَلَكِنِ ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلا مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا يَحْكُمُ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفْنَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَإِنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «ائْتُونِي الْعَشِيَّةَ أَبْعَثُ مَعَكُمُ"اهـ (2) ."رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ"؛"فَاسْتَشْرَفَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أي فَتَطَلَّعَ لهذا المنصب أَصْحَابُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا رَغْبَةً فِي الإمارة، ولكن حِرْصًَا على هذه الصِّفَةِ الكَرِيمَةِ صفة الأمانة"فَقَالَ: «قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ» فَلَمَّا قَامَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ» "فوصفه بِهذه الصِّفَةِ الكَرِيمَةِ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أوَّلًا: عَزْمُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتَصْمِيمِهِ على مُبَاهَلَةِ وَفْدِ نَجْرَانَ تنفيذًا لأَمْرِ اللهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) ، أما نَصَارَى نَجْرَانَ فإنَّهم أَحْجَمُوا وَوَجَمُوا عن المُبَاهَلَةِ خَشْيَةَ أنْ يُصَابوْا بِسُوْءٍ.

ثانيًا: أَنَّ فِي الحديث مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لأبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حيث وصفه بأنَّه أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وتلك صِفَةٌ عَظِيمَةٌ اشْرَأَبَتْ لَهَا أَعْنَاقُ كِبَارِ الصَّحَابَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت