دَارُ الحَبِيْبِ أحقُّ أنْ تهْوَاهَا ... وَتَحِنُّ مِنْ طَرَب إلَى ذِكْرَاهَا
ثُمَّ قال:"وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ العُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟"أي فهل تأذن لي فِي العُمْرَةِ"فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"بغفران ذنوبه كلها، وبِخَيْرَيْ الدُّنْيَا والآخِرَةِ؛"وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ"."فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّة قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ؟"أي خرجت من دِينٍ إلى دِينٍ"قَالَ: لاَ، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أي ولكنَّي تَرَكْتُ الدِّينِ الباطلَ ودَخَلْتُ فِي دِينِ الحَقِّ."وَلاَ وَاللَّهِ، لاَ يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ، حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أي حتى يَأْذَنَ رَسْولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إرْسَالِهَا إليكم، فانصرف إلى اليمامة، وكانت رِيفُ مَكَّةَ، فمنع الحِنْطَةَ عنهم حتَّى جَهَدَتْ قُرَيْشٌ، وكتبوا إلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسألونه بِأَرْحَامِهِم أَنْ يكتب إلى ثُمَامَةَ، ففعل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: ذَكَاءُ"ثُمَامَةَ"وَرَجَاحَةَ عقله، وفصاحته وبلاغته العظيمة، التي تَجَلَّتْ فِي جوابه الحاضر، وسرعة بديهته، فإنَّ ثُمَامَةَ فِي جوابه الشَّافِي الكَافِي قَدْ أحاط بالموضوع من أطرافه، وأجاب عن كُلِّ ما يُتَوَقَّعُ السُؤال عنه فِي كلماتٍ قَصِيرَةٍ، حيثُ وَصَفَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعدل إذا حكم، وأَمِلَ فيه العفو والكرم، ووعده بحِفْظِ الجَمِيلِ، وصِدْقِ الوَفَاءِ، واستعد لِمُفَادَاةِ نفسه بالمال، إنْ طُلِبَ مِنْهُ الفِدَاءُ، فأُعْجِبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُسْنِ جَوَابِهِ، واسْتَدَلَّ به على فَضْلِهِ ونُبْلِهِ، فأنعم عليه بإطلاقِ سَرَاحِهِ دُونَ فِدَاءٍ.
ثَانِيًَا: فَائِدَةُ العَفْوِ عند المَقْدِرَةِ، فهو أَقْرَبُ طَرِيقٍ إلى قُلُوبِ الرِّجَالِ. قال الحافظ:"وَأَنَّ الْإِحْسَانَ يُزِيلُ الْبُغْضَ وَيُثَبِّتُ الْحُبَّ. وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَرَادَ عَمَلَ خَيْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ شَرَعَ لَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي عَمَلِ ذَلِكَ الْخَيْرِ"اهـ.
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ عن ثُمَامَةَ.
(1) لَمْ تكن القِصَّتَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، لأنَّ قِصَّةَ ثُمَامَةَ كانت قبل فتح مَكَّةَ. وأمَّا حنيفَة فَهُوَ بن لجيم بجيم بن صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَهِيَ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ شَهِيرَةٌ يَنْزِلُونَ الْيَمَامَةَ بَيْنَ مَكَّة وَالْيَمَنِ. وَوَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ كَمَا ذكره بن إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ؛ وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنهم كَانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ مُسَيْلِمَةُ. وَكَانَ مُسَيْلمَةُ قد خاصمه قومه لما ادّعى النُّبُّوَة، فَقَالَ: أَنا أُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ وَلَكِنِّي قد أُشْرِكْتُ مَعَه فِي النُّبُّوَةِ، فكاتبه بَنو حنيفَة وأنزلوه حجرا، فَكتب ثُمَامَة بن أَثَال يخبر رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَن مُسَيْلمَة قد دَعَا إِلَى أمره، وَغلب على حجر، وَشهد لَهُ الرِّجَال بِأَنَّهُ قد أُشرك فِي النُّبُّوَة، فأضل عَامَّة من كَانَ معي!".