فهرس الكتاب

الصفحة 2152 من 2668

مُفَارَقَتِهِمْ. وَكَانَتْ قِصَّتُهُ قَبْلَ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ بِزَمَانٍ فَإِنَّ قِصَّتَهُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّة.

الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدُ والنَّسَائِيُّ.

معنى الحديث: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قَدْ أَرْسَلَ فُرْسَانًَا إلى نَجْدٍ بقيادة مُحَمَّدٍ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي العاشر من المحرم سنة ست من الهجرة ليقاتلوا أحياء بني بكر الذين منهم بنو حنيفة، فأغاروا عليهم، وهزموهم، وأَسَروا ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ وأَتَوْا به إلى المدينة، ورَبَطُوهُ إلى سَارِيَةٍ من سَوَارِي المَسْجِدِ النَّبَوِي،"فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟"أي ماذا تَظُنُّ أنَّي فَاعِلٌ بِكَ"فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ"أي لا أَظُنُّ بِكَ، ولا أُؤمِّلُ مِنْكَ إلا الخير، مهما فعلت معي"إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ"قَالَ النَّوَوِيُّ:"مَعْنَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ أَيْ صَاحِبِ دَمٍ لِدَمِهِ مَوْقِعٌ يَشْتَفِي قَاتِلُهُ بِقَتْلِهِ وَيُدْرِكُ ثَأْرَهُ لِرِيَاسَتِهِ وَعَظَمَتِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَلَيْهِ دَمٌ وَهُوَ مَطْلُوبٌ بِهِ فَلَا لَوْمَ عَلَيْكَ فِي قَتْلِهِ"،"وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ"أي وإنْ تحسن إليَّ بالعفو عنِّي فالعفو من شِيَمِ الكرام، ولن يضيع معروفك عندي، لأنَّكَ أنعمت على كَرِيمْ يحفظ الجَمَيلَ، ولا ينسى المعروف أبدًا.

"وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ"يعني وإنْ كنت تريد أَنْ افتدي نفسي بالمال"فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْت"ولك ما طلبت."فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ"يعني فَتَرَكَهُ مربوطًا إلى السَّارِيَةِ حتَّى كان اليوم الثَّانِي فأعاد عليه سؤاله الأوّل، وأجابه ثُمَامَةُ بنفس الجواب الأَوَّل، ثُمَّ تَرَكَهُ اليوم الثَّالِثَ، وأعاد عليه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السؤال، وأجابه ثُمَامَةُ بالجواب نفسه"فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» "أي فكوه من رباطه وأطلقوا سراحه.

"فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ"، أي فذهب إلى ماءٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ"فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ"أي وأَعْلَنَ إِسْلامَهُ ونَطَقَ بالشَّهَادَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ:"يَا مُحَمَّدُ! وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ"أي ثُمَّ عَبَّرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن شُعُورِهِ نَحْوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونَحْوَ دينه الحنيف، ونَحْوَ بلده الحبيب المدينة المنورة، فقال: ما كان هناك وجه أكرهه مثل وجهك"فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ"أي فلما أسْلَمْتُ أَصْبَحَ وَجْهُكَ"أَحَبَّ الوُجُوهِ إِلَيَّ"حيث تحول البغض والكراهية إلى مَحَبَّةٍ شَدِيدَةٍ لا تعدلها أَيُّ مَحَبَّةٍ أخرى"وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّين إِلَيَّ"وهكذا عاطفة الإيمان حين تُخَالِطُ بَشَاشَتَهُ القلوب"وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ البِلاَدِ إِلَيَّ"لأَنَّ محبتي لك دفعتني إلى مزيد الحُبِّ لبلادك، وقد قال الشَّاعِرُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت