قَالَ: فَنَعَمْ إِذًا". فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ قَالَ: «مَا قَالَ؟» قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ"أي أخطأ سَعْدٌ فِي مَقَالَتِهِ هذه، وقال خلاف الواقع."وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الكَعْبَةَ". وأعلن للنَّاسِ جَمِيعًَا أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ ليس احْتِلالًا لها، ولا حَرْبًا انْتِقَامِيَّةٍ من قُرَيْشٍ، وإِنَّمَا هو نَصْرٌ لهذا البيت وإِعْلاءٌ لدِينِ اللهِ، وما يَوْمُ الفَتْحِ إلَّا يَوْمٌ تُعَظَّمُ فِيهِ الكَعْبَةُ، وتطهر من الشِّرك وعبادة الأَصْنامِ، ويُعِزُّ الله فيه مَكَّةَ وأهلها بِالإسْلامِ كما جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أخرى أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"يَا أَبَا سُفْيَانَ، الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمَ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا"؛ وأَرْسَلَ إلى سَعْدٍ فَنَزَعَ منه اللِّوَاءَ، ودَفَعَهُ إلى ابْنِهِ قَيْسٌ.
قَالَ:"وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بِالحَجُونِ"وهو مَوْضِعٌ بالمُعَلاةِ بالقرب من مَقْبَرَةِ مَكَّةَ، وقد بُنِيَ هناك مَسْجِدٌ يُقَالُ له"مَسْجِدُ الرَّايَةِ"كما أفاده الحلبي فِي"السِّيرة"."وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ"بفتح الكاف، وهو عند الثَّنِيَّةِ العُلْيَا،"وَدَخَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كُدَا"بضم الكاف والقصر، أي من عند الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: ذِكْرُ بَعْضِ الأحداث التي وقعت فِي غَزْوَةِ الفَتْحِ، وغَزْوَةُ الفَتْحِ كانت فِي رَمَضَانَ سنة ثَمَانٍ من الهِجْرَةِ؛ يناير 630 م. وسبب ذلك كما قَالَ بن إِسْحَاقَ:"أنه كَانَ بَيْنَ بَنِي بَكْرٍ وَخُزَاعَةَ حُرُوبٌ وَقَتْلَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَشَاغَلُوا عَنْ ذَلِكَ لَمَّا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ، فَلَمَّا كَانَتِ الْهُدْنَةُ خَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيُّ مِنْ بَنِي بَكْرٍ فِي بَنِي الدِّيلِ حَتَّى بَيَّتَ خُزَاعَةَ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ الْوَتِيرُ، فَأَصَابَ مِنْهُمْ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ مُنَبِّهٌ، وَاسْتَيْقَظَتْ لَهُمْ خُزَاعَةُ، فَاقْتَتَلُوا إِلَى أَنْ دَخَلُوا الْحَرَمَ وَلَمْ يَتْرُكُوا الْقِتَالَ، وَأَمَدَّتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ بِالسِّلَاحِ، وَقَاتَلَ بَعْضُهُمْ مَعَهُمْ لَيْلًا فِي خُفْيَةٍ. فَلَمَّا انْقَضَتِ الْحَرْبُ خَرَجَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ:"
اللهُمَّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا ... حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا
كُنَّا وَالِدًا وَكُنْتَ وَلَدَا ... ثُمَّتْ أَسْلَمْنَا وَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا
فَانْصُرْ رَسُولَ اللهِ نَصْرًا عَتِدَا ... وَادْعُوا عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدَا ... إِنْ سِيمَ خَسَفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا
فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا ... إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا