وَرْقَاءَ، يَلْتَمِسُونَ الخَبَرَ"أي فخرج هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ يَتَحَسَّسُونَ الأخبار، ويُحَاوِلُون الاطِّلاعَ على حقيقة ذلك"فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ"أي فإذا هم يُفَاجَئُونَ بِمُشَاهَدَةِ نِيْرَانٍ كَثْيرَةٍ، كأنَّها نِيرُانُ عَرَفَةَ فِي مَوْسِمِ الحَجِّ!"فَقَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: نِيرَانُ بَنِي عَمْرٍو"أي ظنها نيران بني عمرو قبيلة من خزاعة"فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ!"أي اسْتَبْعَدَ ذلك"فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُمْ"أي فَأَلْقَوْا القَبْضَ عَلَيْهِم"فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أي فَسَاقُوهُم حتَّى أَوْصَلُوهُم إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛"فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ"قال الحافظ:"وفِي رواية: فَدَخَلَ بُدَيْلٌ وَحَكِيمٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَا"، ومعنى ذلك أنَّ هَؤلاءِ الثَّلاثَةُ أَسْلَمُوا جَمِيعًَا فِي هذا اليوم قبل دُخُولِ مَكَّةَ."
"فَلَمَّا سَارَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: «احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ حَطْمِ الخَيْلِ (2) ، حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى المُسْلِمِينَ"أي فِي الموضع الذي تَزْدَحِمُ فيه الخَيْلُ لكي يستعرض الكتائب العظيمة وَيَطَّلع على قُوَّةِ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةِ عَدَدِهِم"فَجَعَلَتِ القَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ"وهكذا تحركت كتائب الفتح الإسلامي زَاحِفَةً نَحْوَ البَلَدِ الحَرَامِ أمَامَ أبِي سُفْيَانَ، وهو يسأل عنها كَتِيبَةً كَتِيبَةً"حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا"أي لَمْ يَرَ أبُو سُفْيَانَ لَهَا مَثِيلًا فِي الكتائب الأخرى التي سبقتها"قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَؤُلاَءِ الأَنْصَارُ"أي هذه كَتِيبَةُ الأنْصَارِ، وكانت كَثِيرَةَ العَدَدِ، قَوِيَّةَ العُدَّةِ، مُدَجَّجَةً بِالسِّلاحِ، فَلَمَّا رأى مَا هُمْ عليه قَالَ:"مَا لِأَحَدٍ بِهَؤُلاءِ مِنْ طَاقَةٍ!"؛"عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ"أي وقائدهم سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ومعه راية الأنصار"فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، اليَوْمَ يَوْمُ المَلْحَمَةِ"أي هذا يَوْمُ مَذْبَحَةِ قُرَيْشٍ الكبرى،"اليَوْمَ تُسْتَحَلُّ الكَعْبَةُ"أي وهذا هو اليوم الذي يَحِلُّ لنا القتال عند الكعبة، فَنَشْفِي صدورنا من قُرَيْشٍ وننتقم منها أَشَدَّ الانتقام وفِي رِوايَةٍ:"الْيَوْمَ أَذَلَّ اللَّهُ قُرَيْشًا"."فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا (3) يَوْمُ الذِّمَارِ"أي فأثَّرَتْ هذه الكَلِمَاتُ التي قَالَهَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ في نفس أبِي سُفْيَانَ، وهَيَّجَتْ مَشَاعِرَهُ، وأثَارَتْ فيه الحَمِيَّةَ لِبَلَدِهِ وقَوْمِهِ، فقال"حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ!"قال الخطَّابي: تَمَنَّى أَبُو سُفْيَانَ أَنْ تكون له يَدٌّ أيْ قُوَّةٌ فيحمي قومه ويدفع عنهم.
قال:"ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ، وَهِيَ أَقَلُّ الكَتَائِبِ، فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ"أي ومر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كتيبة خضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلَّا الحدق من الحديد،"فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! يَا عباس مَنْ هَؤُلَاءِ؟"قال:"هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ"،"قَالَ: مَا لِأَحَدٍ بِهَؤُلَاءِ قِبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أبَا الفَضْلِ لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيكَ الْيَوْمَ عَظِيمًا، قَالَ: قُلْتُ: يَا أبَا سُفْيَانَ إِنَّهَا النُّبُوَّةُ،"