تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لاَ يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا"أخرجه مسلم. فلما قالت عَائِشَةُ فيها ما قالت، ووصفتها بما لا تستحقه،"قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَهْ" (2) أي كفِّي عن إطرائك لهذه المرأة، ومبالغتك في مدحها والثَّنَاء عليْها، بما لا تستحقه من الثَّنَاءِ، لمخالفتها السُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ، فإنَّ الدِّينَ في متابعة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والعمل بسننه، وليس من السُّنَّةِ إحياء الليل كله، ولا من الإِسْلام التَّشْدِيدُ على النَّفْسِ وإرهاقها بالعبادة، ولكن"عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ"أَي افعلوا ما تقدرون عليه من الصيام والقيام، ولا تشقوا على أنفسكم فإنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولن يشادّ هذا الدِّين أَحَدٌ إلَّا غَلَبهُ."فَوَاللَّهِ لاَ يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا"أي لا يقطع الله عنكم الثَّوَابَ حتى تسأموا من العمل، فإذا فتر النَّشَاط قلَّ الثَّوَابُ، ومتى انْقَطَعَ انْقَطَعَ الثَّوَابُ أيْضًَا."
قالت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ"أي وكان أحب العبادة إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأفضلها لديه العبادة المستمرة الدَّائِمَة، ولو كانت قليلة، لأنَّ العبادة رياضة روحية، فكلما كانت أدوم كانت أجدى نفعًا وتهذيبًا لنفس صاحبها، ومثل العبادة كما يقول الإِمام الغزالي:"مثل الماء إذا قطر على الحجارة قطرة قطرة ولم يزل كذلك فإنَّه يثقبها - أي يخرقها - بخلاف ما إذا صُبَّ صَبًَّا، فإنَّه لا يؤثر فيها"، وهو مصداق قول الشاعر:
أمَا تَرَى الحَبْل لِتِكْرَارِهِ ... في الصَخْرَةِ الصَّمَاءِ قَد أثَّرَا
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: فَضْلُ العَمَلِ الدَّائِمِ ولو كان قَلِيلًا، لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ".
ثانيًا: كَرَاهِيَةُ قيام الليل كُلِّهِ، وإليه ذهب مَالكٌ رحمه الله، وقال:"فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"، كما أفاده النَّوَوِيّ. ويُسْتَثْنَى من ذلك العَشْرُ الأَوَاخِرُ من رَمَضَانَ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ".
(1) الحولاء بنت تويت بن حبيب بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيّة الأسدية. أسلمت وبايعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد الهجرة. رَوَتْ عَنْهَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
(2) "مه"اسم فعل أمر، إن دخله التنوين كان نكرة معناه كف عن الحديث أي حديث كان، وإن لم يدخله التنوين كان معرفة، ومعناه كف عن حديثك هذا، وحيث لَمْ يدخله هنا التنوين فهو اسم معرفة معناه كفي عن حديثك هذا الذي بالغت فيه في مدح هذه المرأة.