وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: أَنَّ الكَذِبَ نِفَاقٌ عَمَلِيٌّ وخصلة من خِصَالِ المنافقين، وكبيرة من الكبائر. وهو في الأصل الإِخبار بخلاف الواقع، إلا أنَّه لا يكون كبيرة إلا إذا خالف ما يعتقده صاحبه، أمَّا إذا تَحَدَّث بما يعتقده ثُمَّ ظهر الواقع خلافه فلا إثم عليه لأنَّهُ لا تكليف إلا بعلم.
ثانيًا: أنَّ خُلْفَ الوعد من النِّفاق، وكبيرة من الكبائر، بِشَرْطَيْنِ:
الأول: أنَّ يكون وعد خير. فإنْ كان وعدُ شَرٍّ فإنَّ خُلْفَه واجبٌ (1) أو مستحبٌ، وليس من النِّفاق في شَيْءٍ، بل هو برٌّ وطاعة.
والثَّاني: أنَّ يكون قد عَزَمَ على الخُلْفِ مُسْبَقًَا، أمَّا إذا نوى الوفاء وَحَالَ دونه عذر شرعي فلا شَيْءَ عليه.
ثالثًا: أنَّ الخيانة من الكبائر ومن أخلاق المنافقين سَوَاءٌ كانت في سِرٍّ أو وَدِيعَةٍ أو وَظِيفَةٍ، وسَوَاءٌ كانت في حَقٍّ من حُقُوقِ اللهِ، أو من حُقُوقِ العباد.
المطابقة: في قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ"إلخ.
(1) قال الحافظ في"الفتح":"الْمُرَادُ بِالْوَعْدِ فِي الْحَدِيثِ الْوَعْدُ بِالْخَيْرِ وَأَمَّا الشَّرُّ فَيُسْتَحَبُّ إِخْلَافُهُ وَقَدْ يَجِبُ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى تَرْكِ إِنْفَاذِهِ مَفْسَدَةٌ وَأَمَّا الْكَذِبُ فِي الحَدِيث فَحكى بن التِّينِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ جُرِّبَ عَلَيْهِ كَذِبٌ؟ فَقَالَ: أَيُّ نَوْعٍ مِنَ الْكَذِبِ؟ لَعَلَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَيْشٍ لَهُ سَلَفَ فَبَالَغَ فِي وَصْفِهِ فَهَذَا لَا يَضُرُّ؛ وَإِنَّمَا يَضُرُّ مَنْ حَدَّثَ عَنِ الْأَشْيَاءِ بِخِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ قَاصِدًا الْكَذِبَ"اهـ. ج 1 ص 90.