ومعنى الشَّهَادَتَيْنِ: أَنْ يَنْطِقَ العبد بِشَهَادَةِ أنْ لا إِلَهَ إلاّ الله، وأنَّ مُحَمَّدًَا رَسُولُ اللهِ، مُعْتَرِفًَا بِوَحْدَانِيَّةِ اللهِ، ورِسَالَةِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُصَدِّقًَا بِقَلْبِهِ بِهِمَا، مُعْتَقِدًَا لمعناهما، عَامِلًا بِمُقْتَضَاهُمَا، هذه هي الشَّهَادَةُ التي تَنْفَعُ صَاحِبَهَا فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، فَيَفُوزُ بِالجَنَّةِ، ويَنْجُو من النَّارِ. أمَّا مُجَرَّدَ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، والانقياد لِشَرَائِعِ الإِسْلامِ ظاهرًا مع عَدَم اعْتِقَادِهَا بَاطِنًَا، فَإِنَّ ذلك لا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، ولا يُنْجِيَهُ من النَّارِ (1) . لأَنَّ الشَّهَادَةَ التي نَطَقَ بِها لِسَانُهُ دُونَ مُوَافَقَةِ القَلْبِ عليها لا يَنْطَبِقُ عليها مَعْنَى الشَّهَادَةِ الذي هو الإِخْبَار عن أَمْرٍ مُتَيَقَّنٍ قطعًا، ولا تتوفر فيها شُرُوطُ الشَّهَادَةِ التي هِيَ: العِلْمُ واليَقِينُ والاعْتِقَادُ والصِّدْقُ والإِخْلاصُ، فَلا بُدَّ فِي الشَّهَادَةِ من اعْتِقَادِ القَلْبِ بِها، وإيِمَانِهِ بِمَعْنَاهَا، ويُؤكِّدُ ذلك ما جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى للبخاري رَحِمَهُ اللهُ:"بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ، إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ". وفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللهُ:"عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ، وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ".
"وَإِقَامِ الصَّلاَةِ"أيْ والثَّانِي من أَرْكَانِ الإِسْلامِ"إِقَامِ الصَّلاَةِ"يَعْنِي المُحَافَظَة على أَدَاءِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ فِي أوْقَاتِهَا بِشُرُوطِها وأرْكَانِها الخ.
"وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ"أي وثَالِثُ أرْكَانِهِ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ أيْ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ المُفْرُوضةِ، وصَرْفِها لِمُسْتَحِقِّيهَا.
"وَالحَجِّ"أي ورَابِعُ أرْكَانِ الإِسْلامِ الحَجُّ إلى بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي العُمْرِ على من اسْتَطَاعَ إليه سَبِيلًا"."
وخَامِسُهَا: وهو آخِرُ الأَرْكَانِ"وَصَوْمِ رَمَضَانَ"وسيأتِي مُفَصَّلًا شَرْح هذه الأركان.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: أَنَّ أرْكَانَ الإِسْلامِ تَنْقَسِمُ إلى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ"منها"مَا هو عَمَلٌ لِسَانِيٌّ قَلْبِيٌّ، وهو الشَّهَادَتَانِ، إذ لا بُدَّ فيهما من نُطْقِ اللِّسْانِ وتَصْدِيقِ الجَنَانِ."ومنها"مَا هو عَملٌ بَدَنِيٌّ، وهو الصَّلاةُ والصَّوْمُ."ومنها"مَا هُوَ مَالِيٌّ مَحْضٌ، وهو الزَّكَاةُ."ومنها"ما هو عَمَلٌ بَدَنِيٌّ مَالِيٌّ، وهو الحَجُّ.
ثانيًا: قَالَ العَيْنِيُّ: يَدُلُّ ظَاهِرُ الحَدِيثِ على أنَّ الشَّخْصَ لا يَكُونُ مُسْلِمًَا عند تَرْكِ شَيْءٍ من هذه الأَرْكَانِ، لكن الإجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ على أنَّ العَبْدَ لا يَكْفُرُ بِتَرْكِ شَيْءٍ غَيْرِ الشَّهَادَتَيْنِ اتِّفَاقًَا، وغَيْرِ الصَّلاةِ عند أحْمَدَ، وبَعْضِ المَالِكِيَّةِ اللَّهُمَ؛ إلاّ إذَا تَرَكَهُ جَاحِدًَا. والأَدِلَّةُ على كُفْرِ تَارِكِ الصَّلاةِ كَثِيرَةٌ، منها قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةَ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ"- أوْ قَالَ فَقَدْ أَشْرَكَ -"رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ:"حَسَنٌ صَحِيحٌ" (2) ، وهي عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ ولَوْ كَسَلًا، ومِمَّا يؤكد ذلك قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ" (3) فَإِنَّهُ يَدُلُّ على عِظَمِ شَأْنِ الصَّلاةِ، وأَنَّ مَكَانَهَا من الدِّينِ مكان العمود من الفُسْطَاطِ - أي الخيمة - فكما أَنَّ عَمُودَ الفُسْطَاطِ إذا سَقَطَ سَقَطَ الفُسْطَاطُ، فكذلك إذا فُقِدَتِ الصَّلاةُ سَقَطَ دِينُ تَارِكِهَا، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ دِينٌ، لأَنَّ مُجَرَّدَ تَرْكِ الصَّلاة ِكُفْرٌ، يُخْرِجُ من المِلَّةِ. وهذا دَلِيلٌ على مَا ذَهَبَ إليه الإِمَامُ أحْمَدُ وغيره من أنَّهُ إذا تَرَكَهَا كَسَلًا فَهُو كَافِرٌ، فإِنَّ قَوْلَهُ عَمُودَها الصَّلاة يدل على"