فبلا خلاف بين الأصوليين والمناطق أن العلم محصور في هذين النوعين، إما تصور وأما تصديق، والتصور المراد به إدراك المفرد، والإدراك المراد به وصول النفس إلى المعنى بتمامه، يعني إذا سمع السامع لفظ ما وفهم المراد من هذا اللفظ، حينئذٍ وقع التصور، لو قلت لك: السماء. فهمت المراد بهذا اللفظ حينئذٍ ما انطبع في الذهن عندك يسمى تصورًا لماذا؟ لأن هذا الفهم تعلق بمفردٍ ليس بجملةٍ اسمية ولا بجملةٍ فعلية، كذلك إذا قلت مثلًا: قام. فهمت المراد بقام، حينئذٍ المعنى الذي في ذهنك هذا يسمى ماذا؟ يسمى تصورًا، لماذا؟ لأنه فهم مفرد ولا شك أن الفعل مفرد، كذلك قام يقوم وقم، وكل كلمةٍ مفردةٍ إذا فهمت معناها حينئذٍ يسمى تصورًا، إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ
وأما التصديق قيل سمي تصورًا لأنه تَفَعُل من الصورة لأن المدرك لحقائق المهيات انطبعت مفاهيمها في الذهن كالمرآة، كما تنطبع الصورة في المرآة المعنى انطبع في الذهن، على كلٍّ الثاني الذي هو التصديق المراد به إدراك المركبات، والمراد بالمركبات هنا المركب المسند إسنادًا تامًا يعني مرادف للكلام، ولذلك بسطه الشيخ الأمين رحمه الله تعالى في المقدمة بقوله: هو إدراك الجملة الاسمية والجملة الفعلية. يعني: ما يصح أن يُسمى كلامًا على ما مَرَّ معنا، حينئذٍ قلنا: المفيد. يعني فائدة تامة، أفاد فائدة تامة بمعنى أنه مركبٌ من مسندٍ ومسند إليه، وُجِدَ المبتدأ والخبر، زيدٌ قائمٌ أدركت، إذا فهمت ما المراد بزيدٌ قائمٌ حينئذٍ المعنى الذي في الذهن يسمى تصديقًا، أدركت قام زيدٌ قام فعل ماضي وزيدٌ فاعل يقوم زيدٌ قم يا زيد إذا أدركت هذه الجمل يسمى ماذا؟ يسمى تصديقًا. إذًا الفرق بين التصور والتصديق هذا مما يُعتنى به لأن كلام أهل العلم قد يذكر دون بيان لهذه المصطلحات وإنما تفهم من جهة المنطق أو أصول الفقه.
إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ ... وَدَرْكُ نِسْبَةٍ بِتَصْديقٍ وُسِمْ
إذًا العلم إما تصور وإما تصديق، أخرج التصور ولا بحث لنا فيه، التصديق الذي هو إدراك المركبات الجملة الاسمية أو الجملة الفعلية، إما أن يكون الحكم فيه يعني: ثَمَّ حكمًا، قام زيد، حكمت بثبوت القيام لزيد في الخارج، لم يقم زيدٌ، حكمت بماذا؟ بنفي قيام عن زيدٍ في الخارج، هذا التصديق الذي هو الحكم لا يخلو من أمرين:
-إما أن يكون جازمًا.
-وإما ألا يكون جازمًا.
فإن لم يكن جازمًا حينئذٍ دخل فيه الظن والوهم والشك على خلاف في الشك هل هو حكم أم لا، ولا يعنينا، حينئذٍ إدراك المركبات الجملة الاسمية والجملة الفعلية على سبيل الظن لا الجزم يُسمى ماذا؟
إما ظنًا إذا كان إدراك للطرف الراجح.
وإما وهمًا إذا كان إدراك للمرجوح.
وإما شك استواء للأمرين.
والوهْم والظَّنُّ وشكٌ ما احتملْ ... لراجحٍ أو ضدِّه أو ما اعتدلْ
هذه ثلاثة أقسام جمعها صاحب (( المراقي ) )في بيتٍ واحد.
إذًا التصديق إما ألا يكون جازمًا دخل فيه الظن والوهم والشك، وإما أن يكون جازمًا وهذا محل بحثنا. إذًا التصديق الجازم هذا على نوعين: