الصفحة 460 من 883

(وقولِهِ: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80] ) . ( {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ} ) ، ( {أَمْ} ) هنا بمعنى بل والهمزة، مثل هذا الموضع التركيب بل والهمزة مر معنا هذا، أي بل أيحسبون وفيها إضرابٌ، وفيها استفهامٌ، أي بل أيحسبون ( {أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم} ) والسِّرّ هو حديث الإنسان بينه وبين نفسه، أو غيره في خُفْيَة، سِرّ على ما شاع، والنجوى: هو ما يتحدث به الإنسان مع رفيقه ويخفيه عن غيره. قوله: ( {بَلَى} ) حرف إيجابٍ أي نسمع سرهم ونجواهم فهو سبحانه السميع الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات جل وعلا، ( {وَرُسُلُنَا} ) أي الملائكة الحفظة للأعمال ( {لَدَيْهِمْ} ) أي عندهم ( {يَكْتُبُونَ} ) أي يكتبون ما يقولون وما يفعلون، فهذه الآية فيها ماذا؟ فيها تحذيرٌ وتخويفٌ فإن طريقة القرآن يذكر العلم والقدرة تهديدًا وتخويفًا لِتَرَتُّب الجزاء عليها كهذه الآية.

(وقولُهُ: {اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 105] ) الآية. وليس المراد به مجرد الإخبار بالقدرة والعلم، لكنّ الإخبار مع ذلك بما يترتب عليه مَن مع الجزاء بالعدل. انتهى من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

وفي هذه الآية دليلٌ على إثبات صفة السمع، وإحاطته، ليس السمع فحسب، بل إثبات صفة السمع وإحاطته إحاطةً تامةً بكل مسموع.

وفيها دليلٌ على وجود الملائكة الحفظة وأنهم يكتبون كل ما قال العبد، أو فعل، أو نوى، أو هم به، حتى النية لأن النية فعل القلب، فدخلت في عموم قوله: {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 12] . فهي فعلٌ، وإذا كان كذلك فقوله: {مَا} هذا اسم موصول بمعنى الذي، ما تفعلونه، ويشهد لذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا همَّ عبدي بسيئةٍ فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها عليه» . «همَّ» قال: «فاكتبوها» ، «وإذا همَّ عبدي بحسنةٍ فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، وإن عملها فاكتبوها له عشرة» . إذًا الهم بالحسنة وبالسيئة يُكتب، دَلَّ ذلك على أن هذا متعلقُ الكتبة، ويجب الإيمان بالحفظة، والأدلة على إثبات وجودهم من الكتاب والسنة كثيرة، قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] ، وقوله: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10، 12] . قال ابن حمدان رحمه الله تعالى في ... (( نهاية المبتدئين ) )الرقيب. قال ابن حمدان: الرقيب، والعتيد ملكان موكلان بالعبد - على خلافٍ في التسمية - يجب أن نؤمن بهما ونصدق بأنهما يكتبان أفعاله، واستدل بالآيتين المذكورتين. قال: ولا يفارقان العبد بحالٍ، وقيل: بل عند الخلاء.

وقال الحسن: إن الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين عند غائطه، وعند جماعه. ومفارقتهما للمكلف حينئذٍ لا يمنع من كتابتهما ما يصدر عنه في تلك الحال كـ: الاعتقاد القلبي يجعل الله لهما أمارةً على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت