الصفحة 459 من 883

وفي هذه الآية الكريمة إثبات السمع لله سبحانه وتعالى وأنه سميعٌ ويسمع، أحاط سمعه بجميع المسموعات، وكل ما في العالم العلوي والسفلي من الأصوات يسمعه سبحانه وتعالى سواءً السر والعلانية. قالت عائشة ... رضي الله عنها: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشتكي لرسول الله وأنا في جانب الحجرة يخفى عليّ بعض كلامها فأنزل الله قوله: ( {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1] ) ، الآية. وفي هذه الآية وغير دليلٌ على ثبوت الأفعال الاختيارية، {سَمِعَ} بعد أن لم يسمع لم يكن، لأنه متعلقٌ بماذا؟ متعلقٌ بالحادثة، والحادثة لم تكن إذًا قبل الحادثة لم يسمع، بعد الحادثة سمع. إذًا هذه أفعالٌ اختيارية كالنزول لم ينزل قبل ثلث الليل، ثم نزل، .. وهكذا، فحينئذٍ نقول: هذه الآية دليل على ثبوت الأفعال الاختيارية لله وقيامها به كقوله سبحانه وتعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] ، وقوله: ( {وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 94] ) ، الآية. وفي هذه الآية الشكوى إلى الله سبحانه وتعالى، وأن الشكوى إليه لا تُنافي الصبر كهذه الآية، وكـ: شكاية يعقوب إلى الله، وأما الشكوى إلى المخلوق فإنها تُنافي الصبر، والشكوى نوعان:

-شكوى بلسان المقال.

-وشكوى بلسان الحال.

وفعلها أعظم يعني الحال، وأما إخبار المخلوق بالحال هذا خبر ليس شكوى، فحينئذٍ نقول: إخبار المخلوق بالحال فإن كان للاستعانة بإرشاده أو معونته لم يقدح ذلك في الصبر كإخبار المريض للطبيب، وإن كان ... النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل على مريضٍ يسأله عن حاله ويقول: «كيف تجدك» . انتهى من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} [آل عمران: 181] ) وهذه كذلك الآية تابعةٌ لما سبق، ( {لَّقَدْ سَمِعَ} ) جملةٌ مؤكدةٌ باللام الموطئة للقسم، ولفظ قد، والقسم المقدم، اللام الملفوظ بها دلت على قسم مقدر، والقسم من المؤكدات، و (قد) ، هذه ثلاث مؤكدات. تقديره: والله ( {لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ} ) الآية، فهي مؤكدة بثلاث مؤكدات.

وسبب نزول هذه الآية أن اليهود حين سمعوا قوله جل وعلا {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] . قالوا ماذا؟ قالوا: إن إله محمدٍ يستقرض منا فنحن إذًا أغنياء وهو فقير تعالى الله، ( {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ} ) أي سنأمر الحفظة بكتابة ما قالوا في الصحائف. أفادت هذه الآية كغيرها من الآيات والأحاديث إثبات صفة السمع لله كما يليق بجلاله، وفي قوله: ( {لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ} ) مع القسم هذا فيه تحذير وتخويف، فإنه ليس المراد به مجرد الإخبار بالسمع، لكن المراد مع ذلك الإخبارُ بما يترتب على ذلك من المجازاةِ بالعدل، سَمِعَ إذًا فيَثْبُتُ أو يُثْبِتُ ذلك، ثم تأتي المجازاة بالعدل، وأفادت إثبات وجود الحفظة وأنهم يكتبون ما يقال وسيأتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت