الصفحة 458 من 883

ففي هذه الآيات إثبات صفة العينين لله تعالى مع ملاحظة الحديث كما يليق بجلاله وعظمته فيجب على المؤمن أن يُثبت لخالقه وبارئه ما أثبته لنفسه من العينين كالسمع والبصر وغيرها، وكذلك أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما هو قاعدة أهل السنة والجماعة.

وقوله: ( {مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] ) . بإفراد ولا ينافي ما سبق من ذكرها بالجمع لأن المفرد المضاف يعم فيشمل كل ما ثبت لله من عينٍ، وحينئذٍ لا منافاة بين المفرد وبين التثنية والجمع.

وأما الجمع والتثنية فالجواب فيه كالجواب في اليد، فإن كان أقل الجمع اثنين فلا منافاة لأننا نقول: هذا الجمع دالٌ على اثنتين فلا ينافيه، فإن كان أقل الجمع ثلاثة فإن هذا الجمع لا يُراد به الثلاثة وإنما يراد به التعظيم [نعم] يراد به التعظيم والتناسب بين ضمير الجمع وبين المضاف إليه.

أو يقال بالقاعدة السابقة أن المثنى إذا أضيف إلى ضمير تثنيةٍ أو ضمير جمعٍ فالأفصح أن يجمع.

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَقَوْلُهُ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1] ) . هذه مرت معنا أو لا؟ إثبات صفتي السمع والبصر قوله: ( {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} ) أي تُراجعك أيها النبي في شأن زوجها وهي خولة بنت ثعلبة، وزوجها أوس بن الصامت وذلك حين ظاهر منها زوجها، وقال لها: أنت علي كظهر أمي. هذا الظهار، وكان الظهار في الجاهلية الطلاق، كان طلاقًا، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - [فقالت: قد] [1] فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «قد حرمت عليه» . لأنه طلاق على ما مضى، فقالت: إن لي صبيةً صغارًا إن ضممتهم إلي جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا. يعني حكم قديم هذا، يعني كونها تضم إلى المرأة جاعوا، وإذا ضُمّ إلى أبيهم ضاعوا. فقال: «قد حرمت عليه» . فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي. وكلما قال: «حرمت عليه» . جعلت تهتف وتشكو، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هنا جاء بحكمٍ مطابقٍ لحكم الجاهلية في الأصل، ولذلك بعض الشريعة لم تخالف ما كانت عليه العادات المعلومة من الجاهلية. قوله: ( {وَتَشْتَكِي} ) أي تظهر ما بها من المكروه ( {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} ) أي مُراجعتكما الكلام من حَارَ إذا رَجَعَ ( {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} ) أي أحاط سمعه بجميع المسموعات، وبصره بجميع المبصرات، فلا يخفى عليه خافيةٌ، وكثيرًا ما يقرن جل وعلا بين هذين الاسمين السميع والبصير، فكلٌ من السمع والبصر محيطٌ بجميع متعلقاته الظاهرة والباطنة، فالسميع هو الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات، والبصير هو الذي أحاط بصره بجميع المبصورات.

(1) سبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت