يعني: ذكر دليلًا، ومر معنا أن الحكم المنفي يفتقر إلى دليل، كما أن الإثبات يفتقر إلى دليل. فإذا ذَكر الدليل فحينئذٍ صار النفي والإثبات سواء.
قال هنا: {لأَنِّي كُنْت مَعَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَغِبْ عَنْ نَظَرِي طَرْفَةَ عَيْنٍ فِيهِ. وَلَمْ أَرَهُ صَلَّى فِيهِ انْتَهَى} .
هذا إن وُجد، لكنه لم يوجد.
قال هنا: (وَكَذَا الْعِلَّتَانِ) .
(وَكَذَا) {أَيْ: وَكَالنَّفْيِ مَعَ الإِثْبَاتِ فِي الْمَدْلُولَيْنِ}
(الْعِلَّتَانِ) يَعْنِي: أَنَّهُ إذَا كَانَتْ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ مُثْبِتَةً. وَالأُخْرَى نَافِيَةً: قُدِّمَتْ الْمُثْبِتَةُ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلافِ عَنْ نَفْيِ صَلاتِهِ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ: الزِّيَادَةُ مَعَهُ هُنَا؛ لأَنَّ الأَصْلَ غُسْلُ الْمَيِّتِ وَالصَّلاةُ عَلَيْهِ، ثَمَّ سَوَاءٌ.
قال: (وَعَلَى مُقَرِّرٍ نَاقِلٌ) .
يعني: الناقل على البراءة الأصلية .. عن الأصل هذا مقدمٌ على المقرِّر.
{وَيُرَجَّحُ عَلَى مُقَرِّرٍ لِلْحُكْمِ الأَصْلِيِّ} يعني: المُبَقِّي على الأصالة.
{نَاقِلٌ عَنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ} وهو كذلك أن الناقل مقدمٌ على ما يدل على البراءة الأصلية.
{لأَنَّهُ يُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَيْسَ مَوْجُودًا فِي الآخَرِ. كَحَدِيثِ مَعَ حَدِيثِ } .
هذا ناقل، هذا ليس فيه شيء جديد. يعني: جاء به الشرع أو لا، هو يعلم أنه بضعةٌ منه .. ليس فيه جديد.
على كلٍ المسألة خلافية.
(وَعَلَى مُثْبِتِ حَدٍّ: دَارِئُهُ) .
يعني: الدارئ .. ادفعوا الحدود بالشبهات.
{وَيُرَجَّحُ عَلَى مُثْبِتِ حَدٍّ: دَارِئُهُ عِنْدَ الأَكْثَرِ؛ لأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَفِيهِ أَخْبَارٌ ضَعِيفَةٌ، وَلِقِلَّةِ مُبْطِلاتِ نَفْيِهِ؛ وَلأَنَّ إثْبَاتَهُ خِلافُ دَلِيلِ نَفْيِهِ} .
والمسألة فيها خلافٌ طويل عند أهل العلم.
قال: (وَعَلَى نَافِي عِتْقٍ وَطَلَاقٍ: مُوجِبُهُمَا) أي: ما يوجبهما.
{وَيُرَجَّحُ عَلَى نَافِي عِتْقٍ} على من ينفي العتق.
{وَعَلَى نَافِي طَلاقٍ: مُوجِبُـ} العتق والطلاق أَيْ: مَا يُوجِبُهُمَا.
وَقِيلَ: يُقَدَّمُ نَافِيهُمَا، وَظَاهِرُ الرَّوْضَةِ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ كَعَبْدِ الْجَبَّارِ، لأَنَّهُمَا حُكْمَانِ.
وهو كذلك أنهما سواء ويُنظر في كل موضعٍ على حدةٍ.
قال هنا: (وَعَلَى أَثْقَلَ: أَخَفُّ) .
يعني: الأخف مقدمٌ على الأثقل.
يَعْنِي أَنَّ التَّكْلِيفَ الأَخَفَّ يُرَجَّحُ عَلَى الأَثْقَلِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ) )، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: .
وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الأَثْقَلُ، لأَنَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا.
قال: (وَتَكْلِيفِيٌّ وَوَضْعِيٌّ: سَوَاءٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) .
ليس بينهما تقديم، كلاهما سيّان {أَيْ: كَلامِ أَصْحَابِنَا} .