عند المشركين، من أنكر طلب الشفاعة من النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في قبره حينئذٍ يلزمه أنه قد أنكر الشفاعة، هذا مُرَادُهم، ولذلك قيل له وهذا عندما أنكر المصنف على الذين يطلبون الشفاعة من المخلوقين وبَيَّنَ أن الشفاعة حق لله عز وجل ولا تطلب إلا منه سبحانه اتهم بهذه التهمة أنه ينكر الشفاعة، ... (فإن قال) المشرك (أتنكر شفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتبرأ منها فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو - صلى الله عليه وسلم - الشافع والمشفع وأرجو شفاعته) . إذًا تسليم مع الخصم لأنه خصم مشرك يقر بالشفاعة أو لا؟
يقر بالشفاعة، ولذلك رتب عليها أن يطلبها من النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في قبره، هذا دليل على أنه أقر بالشفاعة، وإذا جاء المشرك أو صاحب الباطل ببعض الحق وأردت أن أرد ما عنده لا يلزم أن أرد الحق الذي معه، بل أقول: لا. (لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو - صلى الله عليه وسلم - الشافع والمشفع وأرجو شفاعته) أسأل الله عز وجل شفاعته، يعني: شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. فإنه لا يشفع في أحد يوم القيامة إلا أعطاه الله ما سأله وما شَفَعَ فيه، حتى عَمّه وهو كافر فإنه يَشْفَعُ فيه، ويخفف عنه من العذاب بسبب شفاعته، حينئذٍ نرجو شفاعته، ونأخذ بأسباب تلك الشفاعة وكوننا نرجو الشفاعة ببذل الأسباب، لا يعني أن نسأل الشفاعة مما لا يملكها ابتداءً، (ولكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 44] ) إذًا إثبات أن الشفاعة حق للنبي - صلى الله عليه وسلم - يعني: ثابتة، أقصد أنها ثابتة للنبي عليه الصلاة والسلام وهي (كلها لله) يعني: ملكه ( {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 44] ) حينئذٍ الذي يملكها حقيقةً ابتداءً وانتهاءً هو الرب جل وعلا (ولا تكون) للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا لغيره (إلا من بعد إذن الله تعالى لقوله سبحانه كما قال عز وجل: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} ... [البقرة: 255] ، ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 2] ، وهو لا يرضى إلا التوحيد) .
إذًا الشفاعة أعطيها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنها في الحقيقة هي مِلْكٌ لله تعالى لقوله: ( {قُل لِّلَّهِ} ) . اللام هنا باتفاق للملك والاستحقاق، حينئذٍ ( {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ} ) نقول: هي ملك لله ابتداءً وانتهاءً. طيب كيف النبي - صلى الله عليه وسلم - يشفع، والملائكة تشفع، والصالحون يشفعون، كيف هذا؟
نقول: هي مِلك لله تعالى ابتداءً وانتهاءً، وكون النبي عليه الصلاة والسلام يشفع والملائكة تشفع نقول: هذه الشفاعة تبع لإذن الله تعالى، ولذلك لا تحصل إلا بتحقيق شرطين اثنين:
الأول: الإذن، وقلنا: هذا عام يشمل الإذن الشرعي والإذن الكوني القدري.
والثاني: الرضا.