فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 446

ثم انتقل إلى شبهة أخرى وهي: خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. وهي: الاستغاثة به. ومعلوم أن شفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثابتة وهي حق وهو أمر مجمع عليه جملةً وتفصيلًا عند السلف، فحينئذٍ نقول شفاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثابتة، وهذا لا يلزم منه إذا أقر بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُسأل عليه الصلاة والسلام مباشرة وهو في البرزخ وهو في الدنيا، لأن زمن الشفاعة إنما يكون في الآخرة، فإذا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مَيْتٌ في زمن لم يأت بعد فحينئذٍ نقول: هذا شرك. ووجه كون طلب الشفاعة من النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الآخرة في البرزخ شركًا هو أن الشفاعة هي نوع من أنواع الدعاء، فهو داخل فيما سبق الدعاء جنس تحته أنواع، ولذلك سبق كلام ابن تيمية أن الاستغاثة والاستجارة والاستعاذة كلها ألفاظ متقاربة، والدعاء جنس لها. ولذلك كثير من أهل العلم يفسرون كلمة دعا بدعاء المسألة ودعاء العبادة، فهو شامل للنوعين، حينئذٍ الدعاء جنس وتحته أفراد، من هذه الأفراد طلب الشفاعة لأنها سؤال، والسؤال نوع دعاء، فحينئذٍ كل الدعاء أو الدعاء كله لا يكون إلا لله عز وجل، [فإن قال] [1] إذًا هذه الشبهة متعلقة بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - والاستغاثة به، وقد تضمنت اتهام المصنِّف بأنه ينكر الشفاعة، لأن من أنكر أن تُطلب الشفاعة من النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في قبره عليه الصلاة والسلام، من أنكر ألزموه لازمًا باطنًا، إذا قال بأنه لا تدعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - اسألوا ربكم الشفاعة أن يشفع فيكم نبيه عليه الصلاة والسلام قالوا: إذًا أنت تنكر الشفاعة. إلزام باطل، فرق بين المسألتين، بين إثبات الشفاعة ونقول: هي حق والنبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاه ربه الشفاعة بالشرطين المذكورين، وبَيْنَ أن نطلب منه الشفاعة في الدنيا، فرق بين المسألتين، وإذا نُهِيَ عن الثاني وحكم عليه بأنه شرك أكبر مخرج من الملة لا يَلْزَم منه أن ينكر الشفاعة، ففرق بين المسألتين، حينئذٍ يكون هذا إلزام باطل من أصله، ولذلك احتاج المصنف أن يبين موقفه من الشفاعة وأثبت أنها حق وفصَّل فيها في كثير من كتبه، وأشار هنا إلى قوله: (فإن قال أتنكر شفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتَبْرَأُ منها) . لأن اللجأ في الشبهة السابقة، ودعاء الصالحين يدخل فيه الاستغاثة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، هو عام لأنه دعاء، حينئذٍ إذا عَمَّمْنَا الصالحين وفيهم النبي عليه الصلاة والسلام إذًا أنت تنكر الشفاعة مباشرة لماذا؟ لأننا قلنا أنه من الشرك الأكبر المخرج من الملة، فمن ينكر طلب الشفاعة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو منكر لشفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا في فهم من؟ عند السلف أو عند المشركين؟

(1) سبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت