(وَالْحَالِ مِنْ مَعْرِفَةٍ مُنَكَّرَا) يعني الحال تكون نكرة. الأصل في الحال أن تكون نكرة، لماذا؟ قالوا: لأن الحالة جيئ بها لبيان هيئة موصوفها أو صاحبها، ولذلك يقولون: الحال مفسرة لِمَا انْبَهَمَ من الهيئات، والتمييز مفسر لِمَا انبهم من الزوائد، كل منهما فاسر موضح رافع للإبهام، إلا أن الإبهام الذي يرفعه أو ترفعه الحال هو إبهام هيئة، يعني: صفة. والإبهام الذي يرفعه التمييز هو إبهام ذات. تقول: عندي عشرون. يعني: عندي عشرون شيئًا مما يُعَدّ، وعدّه يكون بالعشرين، ما هو هذا؟ هل هو معروف؟ هل ذات معروفة؟ ليست معروفة فإذا جئت بالتمييز وقلت: عندي عشرون كتابًا. إذًا كتابًا هذا تميز رفع الإبهام عن الذات، لأن ذات العشرين ليست معروفة، فإذا قلت: عندي عشرون كتابًا أو قلمًا. فحينئذٍ جئت بالتمييز لرفع الإبهام عن الذات، التي ليست معروفة وعشرون هذا مبهمة، أما الحال فهي الذات تكون واضحة موصوفة لكن هيئة الذات تكون منبهمة، جَاءَ زَيْدٌ إذًا الذات واضحة معروفة زيد، مجيء زيد يقع على صفات هل بين به قوله: جَاءَ زَيْد؟ نقول: فيه إبهام لأن المجيء قد يكون ماشيًا قد يكون راكبًا قد يكون على كذا على أربع على رجلين، فإذا قيل: جَاءَ زَيْدٌ رَاكِبًا. نقول: قيد المجيء، ولذلك يقولون: قيد صفة لصاحبها. لأنها في المعنى كالخبر وكالنعت، وقيد لعاملها جَاءَ هذا مطلق، الفعل من قبيل المطلق لا من قبيل العموم كما هو عند الأصوليين، جَاءَ هذا مطلق يحتمل عدة أشياء من أنواع المجيء فإذا قيل: رَاكِبًا. قيده {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا} [النساء: 93] القتل يقع على وجوه: متعمد، وشبه عمد، وخطأ. قيل: {مُّتَعَمِّدًا} من القيد لعامله، وصف لصاحبها. هنا قال: (مُنَكَّرَا) . لماذا اختصت الحال بالنكرة؟ قالوا: لأن المعنى الذي يُراد من الحال وهو بيان هيئة الذات لا الذات، حاصل بالأصل. ما هو الأصل في الأسماء؟ النكرة، إذا أريد أن يعبر عن وصف أو عن معنى الأصل أن يُستعمل النكرة لأن الأصل في الأسماء النكرة، والمعرفة زيادة على النكرة، فلا يُعدل عن الأصل إذا استوفى المعنى به إلى الفرع إلا #17.05 .... وحينئذٍ لا يجوز العدول إلى المعرفة لوجود الزيادة فيها على النكرة إلا إذا لم تؤدي النكرة المعنى المقصود من الحال، وهنا الحال قد أدي بالنكرة واستوفى المعنى بالنكرة إذا قيل: جَاءَ زَيْدٌ رَاكِبًا. جَاءَ زَيْد الراكب لم نستفد بأل عنها زيادة عن النكرة، إذًا لا نأتي بشيء زائد على ماذا؟ على النكرة، فلذلك يعدُّه بعضهم من الحد الذي لا معنى، ولذلك قيل الأصل في الحال أن تكون نكرة، فإن جاءت معرفة أولت بالنكرة.
والحال إن عرف لفظًا فاعتقد ... تنكيره معنى فوحدك اجتهد
هكذا قال ابن مالك.
والحال إن عرف لفظًا فاعتقد ... تنكيره معنى فوحدك اجتهد
اجتهد وحدك، وَحدك هذا في النظم إنه حال وهو معنى، نقول: اعتقد تنكيره. يعني: اجتهد منفردًا. دخلوا الأول فالأول هذا حال، أي: دخول مرتبين أرسلها العراك، أي: معتركًا.
الحاصل: أنه إذا جاءت الحال معرفة وجب تأويلها بنكرة، لماذا؟ لأن الأصل في الحال أن تكون نكرة، ولا يجوز العدول عنها إلا لفائدة وهي منعدمة هنا.