الصفحة 79 من 439

لما نظر ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكذلك ابن القيم إلى هذا النظر الصحيح الواضح البين الذي لا غبار عليه، وهو أن ما جاء من جهة الرب جل وعلا إما خبر وإما طلب، فإذا كان كذلك فالخبر هو توحيد العلمي، والطلب هو التوحيد العملي، تجعل بينهما تقابل، يعني: ثَمَّ إطلاقات مختلفة الإيرادي، القصدي ... إلى آخره، تقول: علم، وعمل. فالدين كله قائم على العلم والعمل، إذًا (وَهُوَ نَوْعَانِ) ، عرفنا جهة التقسيم، ولا يُعترض بأن التقسيم توقيفي على الصحيح وليس باجتهادي، لأن القسمة من حيث الإجمال اثنان، ومن حيث التفصيل ثلاثة، وذكرت لكم أنه لا فرق بين التقسيمين، لماذا؟ لأنك لو نظرت إلى التقسيم الثلاثي هل فيه شيء زائد عن التقسيم الثنائي؟ ليس فيه شيء زائد، حينئذٍ التوحيد توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، نوعان دخلا تحت نوع واحد، كأنه جمع بين نوعين فأطلق عليهما اسم واحد، وهو التوحيد العلمي، وأفرد توحيد الألوهية بتوحيد العملي، إذًا لا فرق بين التقسيمين، وهذا لا يُعارض به ما أصلناه سابقًا في (( كتاب التوحيد ) )وغيره أن التقسيم شرعي، بمعنى أنه ليس اصطلاحيًّا فيُزاد عليه، وإنما هو شرعي باستقراء كلام الله عز وجل وما جاء في السنة النبوية، وأجمع أهل العلم على أنه لا يخرج عن هذه الأنواع الثلاثة، ومر معنا كلام ابن القيم رحمه الله تعالى أن القرآن كله في التوحيد على التفصيل الذي مر معنا.

وهذا الباب، أو هذا الفصل جعله المصنف رحمه الله تعالى للنوع الأول، وهو: التوحيد العلمي القائم على الخبر، على الجهة التي ذكرناها سابقًا، وقال رحمه الله تعالى:

إثْبَاتُ ذَاتِ الرَّبِّ جَلَّ وعَلاَ ... أسْمَائِهِ الْحُسْنَى صِفَاتِهِ العُلَى

جمع في هذا البيت نوعي التوحيد، ولذلك المصنف رحمه الله تعالى قال في الترجمة في كون التوحيد ينقسم إلى نوعين، وبيان النوع الأول وهو توحيد المعرفة والإثبات، والصحيح أن المعرفة والعلم بمعنًى واحد، إذًا يُسمى التوحيد العلمي، والإثبات لأن توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات قائم على ماذا؟ قائم على الإثبات فقط، على الإثبات، بمعنى أنه يُخبر فيؤمن، يُصَدّق أو يُكَذّب هذا ليس من مجال المسلم، لأنه يخرج به عن الملة في الجملة، حينئذٍ إذا كان كذلك فيكون التوحيد بنوعيه قائمًا على إثبات، لكن هذا الإثبات ليس مطلقًا، وإنما إثبات يكون مقيدًا بكونه لائقًا بالرب جل وعلا من غير تحريف ولا تعطيل، من غير تكييف ولا تمثيل، قلنا قوله: (إثْبَاتُ ذَاتِ الرَّبِّ جَلَّ وعَلاَ) . أراد به النوع الأول من نوعي التوحيد العلمي، أو توحيد الربوبية، (أسْمَائِهِ الْحُسْنَى صِفَاتِهِ العُلَى) أراد به النوع الثاني، وهو: توحيد الأسماء والصفات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت