التوحيد مصدر وَحَّدَ يُوَحِّدُ تَوْحِيدًا، مشتق من الوحدة، وهي الإنفراد، الوحدة المراد بها الإنفراد، تقول: جَاءَ زَيْدٌ وَحْدَهُ. يعني منفردًا، جَاءَ زَيْدٌ وَحْدَهُ أي منفردًا، وفلانٌ لا واحد له، يعني لا نظير له، وواحد دهره، كذلك لا نظير له، والتوحيد هو جعل الشيء واحدًا، أي فردًا، {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص: 5] ، لما قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فهموا المراد من الكلمة، وهم أهل فصاحة ولغةٍ، لما قال لهم: «قولوا لا إله إلا الله» . قال: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} . إذًا فهموا أن المراد من التوحيد هو الإنفراد، فالتوحيد هو جعل الشيء واحدًا، والجعل هنا في القلب قلب المكلّف.
وشرعًا التوحيد اعتقاد أن الله واحدٌ لا شريك له، اعْتِقَاد افْتِعَال من العقد، وهو ربط الشيء، قالوا: عَقَدَ الحبل شَدَّ بعضه ببعضٍ. نقيض حَلِّهِ، ولذلك سميت عقيدة، لماذا؟ لأنه لا بد فيه من الجزم، لا يكفي فيه [الاعتقاد] أصل الاعتقاد، وإنما لا بد أن يكون جازمًا، فلا يقبل منه الريب والشك، ومادة عَقَدَ في اللغة مدارها على اللزوم والتأكيد والاستيثاق، قال تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 79] . وهذا إنما يكون بقصد القلب وعزمه، إذًا العقيدة لا بد فيها من القصد والعزم ولا تقبل الشك البتة، ولذلك نُصَدِّرُ تعريف التوحيد بأنه اعتقادٌ، إذًا لا يقبل الريب والشك البتة، وهذه الوحدة التي هي اعتقادٌ وتكون في القلب تختلف باختلاف متعلقاتها، فعندنا اعتقادٌ محله القلب، اعتقاد أن الله واحدٌ في ماذا؟ في ربوبيته، في إلوهيته، في أسمائه وصفاته، إذًا عندنا متعلِّق وعندنا متعلَّق، عندنا متعلِّق وهو الاعتقاد الذي يكون في القلب، ومتعلَّق هو الذي اعتقدت انفراده، وهو شيء متصل بالرب جل وعلا، ولذلك نقول: هذه الوحدة التي هي الاعتقاد تختلف باختلاف متعلقاتها، فإن تعلقت بالربوبية فهو توحيد الربوبية، وإن تعلقت بالألوهية فهو توحيد الألوهية، وإن تعلقت بالأسماء والصفات فهو توحيد الأسماء والصفات، وهذا تقسيمٌ باعتبار المتعلَّق نبينه لأن العلماء في تقسيم التوحيد على نوعين:
منهم من قَسَّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام.
ومنهم من قَسَّم التوحيد إلى قسمين كما اختاره المصنف هنا في هذا النظم.
ما الفرق بينهما؟ هل بينهما تباين؟ الجواب: لا، وإنما نظر كل واحدٍ أو كل طائفةٍ من العلماء إلى جهةٍ مخالفةٍ للجهة الأخرى، من قَسَّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام نظر إلى الخالق جل وعلا، وأن هذا الاعتقاد محله القلب واختلف هذا الاعتقاد باختلاف المتعلَّق، إن اعتقدت أن الله واحد لا شريك له في ربوبيته فهو توحيد ربوبية، وإن اعتقدت أن الله واحد لا شريك له في إلوهيته فهو توحيد الألوهية، وهكذا الأسماء والصفات، إذًا باعتبار المتعلَّق تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وإلى هذه الأنواع الثلاثة ينقسم توحيد الأنبياء والمرسلين، وهذه الثلاثة كذلك متلازمة لا يوجد بعضها دون بعضٍ، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، ولا يكمل توحيد العبد إلا باستكمالها كلها.