الصفحة 66 من 439

يعني أخص من العلم، وهي: إدراك الشيء بتفكرٍ وتدبرٍ لأثره، وعليه تكون المعرفة أخص من العلم، وهذا أخص من العلم ويضاده الإنكار، ولذلك يقال: فلانٌ يعرف الله. ولا يقال: يعلم الله. وهذا التفريق لأنه لم يُستعمل في لسان العرب، ليس كل ما فُرِّقَ بين لفظين نقول: يدل على التفريق في المعنى، لا، لا يلزم من ذلك، لأنه قد يكون ثَمَّ فروق بين الاستعمالين ولا يقتضي الفروق بين اللفظين في مطلق المعنى، ولذلك يقال: فلانٌ يعرف الله، ولا يقال: يعلم الله، ويقال: الله يعلم كذا، ولا يقال: الله يعرف كذا. إذًا فرق بعضهم بين المعرفة والعلم، وابن القيم على هذا في (( مدارج السالكين ) )ذكر بعض الفروق بين اللفظين، والمعرفة هنا فطرية ضرورية، يعني ليست نظرية كسبية، معرفةُ العباد لله عز وجل قد تكون نظرية، وقد تكون فطريةٌ، يعني المخلوق على الفطرة، عرف ربه إذا لم تنتكس عنده الفطرة، فحينئذٍ هي على أصلها وبابها، (بِالتَّوْحِيدِ) هذا متعلق بالمعرفة، وهو الذي خلقهم له، وأخذ عليهم الميثاق به، ثم فطرهم شاهدين مقرين به، ثم أرسل به رسله إليهم، وأنزل به كتبه عليهم، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، أن أول واجب على العبيد هو توحيد الله عز وجل، وهذا محل وفاقٍ، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب، وقد دل في آيات عديدة على أنه ما من نبيٍ بعثه الله عز وجل إلا ودعا قومه إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] . دل النص على أنه ما من نبيٍ بُعِثَ إلا ودعا قومه إلى التوحيد، إذ قوله: {اعْبُدُواْ اللهَ} . هذا فيه معنى إلا الله، {وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} فيه معنى (لا إله) ، إذًا أول ما دعا الرسل أقوامهم هو توحيد الله عز وجل، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] . كالآية السابقة، وما من رسولٍ إلا ويقول لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} . بل أول ما يفتتح دعوته بهذه الجملة، فدل ذلك على أن دعوة الرسل واحدة، وهي الدعوة إلى التوحيد، وَعُلِمَ أن أول واجبٍ على العبد هو التوحيد، وهذا محل وفاقٍ ولا خلاف في توافق الآيات في الدلالة على ذلك، ومن السنة حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه لَمَّا بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول» . «أول» يعني الأسبق، هذا نصٌ (أوَّلُ وَاجِبٍ عَلى الْعَبِيد) موافق لحديث معاذ، «أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمسة صلوات في اليوم والليلة» ... الحديث، وهو في مسلم، وفي رواية في الصحيحين: «إلى أن يوحدوا الله تعالى» . إذًا «ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله» ، جاء لفظ التوحيد، «إلى شهادة أن لا إله إلا الله» . وفي رواية ثالثة كذلك في البخاري «إلى عبادة الله وحده» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت