أشار بالبيت الأول والشطر الثاني إلى بيان أول واجبٍ على العبيد، قوله: (أوَّلُ وَاجِبٍ عَلى الْعَبِيد ** مَعْرِفَةُ) . (أوَّلُ) مبتدأ، و (مَعْرِفَةُ) هذا خبره، و (بِالتَّوْحِيدِ) متعلق بقوله: (مَعْرِفَةُ) . (أوَّلُ) هو الذي يترتب عليه غيره، الأول هو الذي يترتب عليه غيره وهو كذلك هنا، فالتوحيد هو الأساس، ويترتب عليه باقي الشريعة سائر الشريعة، «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» . ثم قال: «فإن هم أجابوك» . إذًا سيترتب على القبول شيءٌ آخر، إن لم يوجد الشيء الأول فلا يترتب عليه ما بعده، إذًا (أوَّلُ) المراد به هنا الذي يترتب عليه غيره، فيكون أسبق، ضد الآخر، مبتدأ، وهو مضاف، و (وَاجِبٍ) هذا مضاف إليه، أول واجب أوجبه الله عز وجل، والواجب بمعنى الفرض على المشهور، الواجب في اللغة الساقط، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} ... [الحج: 36] . أي سقطت على الأرض، ويأتي بمعنى اللازم، يقال وَجَبَ الشيء أي لزمه، وجب البيع أي لزمه، واصطلاحًا ما أمر به الشارع أمرًا جازمًا، وهو بمعنى الفرض على الصحيح، إذًا (أوَّلُ وَاجِبٍ) ، يعني: أول مأمور به أمرًا جازمًا، (عَلى الْعَبِيد) ، على هذه ظاهرة في الوجوب، يعني تؤكد معنى قوله: (وَاجِبٍ) . (الْعَبِيد) هذا متعلق بواجب، (عَلى الْعَبِيد) متعلق بواجب لأنه وصف اسم فاعل، اسم الفاعل من متعلقات الجار والمجرور، و (الْعَبِيد) جمع عبدٍ، وهو العبد هنا العبد بالإيجاد، وذلك ليس إلا لله، وإياه قصد بقوله تعالى: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] . يعني: عبدًا بالإيجاد، ليس بالوصف، لأنه بالوصف قد يكون من جهة الخلق، وهو ما يقابل الحرية، وقد يكون من جهة الخالق، وهو ما يراد بعبودية الاختيار، وهذه لمن آمن، وعباد الرحمن، المراد به العبيد الذين أطاعوا الله عز وجل، واستسلموا لله عز وجل، وذلُّوا بالعبودية، أما العبد الذي يُطلق ويراد به ما يستوي فيه المسلم والكافر، فالمراد به عبد الإيجاد يعني: مخلوق لله عز وجل، فقوله: (عَلى الْعَبِيد) . أي مؤمنهم وكافرهم، فأول واجب عليهم هو: (مَعْرِفَةُ الرَّحْمَنِ) خبر المبتدأ، أي معرفتهم إياه (مَعْرِفَةُ الرَّحْمَنِ) ، أي معرفتهم إياه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر على خلاف المعرفة هي مصدر، أو اسم مصدر إلى مفعوله، معرفة العبيد الرحمن، إذًا أضاف المعرفة إلى المفعول، لأن الرحمن هو متعلَّق المعرفة، والعارف هو العبد، إذًا متعلَّق المعرفة هو الرحمن جل وعلا، فالإضافة هنا من إضافة المصدر، أو اسم المصدر إلى مفعوله، قيل: المعرفة هي العلم، وهذا المشهور عند أهل اللغة أن المعرفة والعلم بمعنى واحد، لا فرق بينهما، وإنما لا يطلق على الله عز وجل بأنه عارف، لعدم وروده، وإنما يُلتزم ما جاء في النص الكتاب والسنة، وما لم يرد حينئذٍ لا يُوصف ولا يُطلق على الله عز وجل البتة، إذًا نقول: العلم والمعرفة بمعنى واحد، وهي إدراك المعلوم، أو إدراك الشيء على ما هو عليه، أو مطلق الإدراك ليشمل التصور والتصديق، إذًا قيل: هما بمعنًى، والمعرفة هي العلم، وقيل: أخص منه.