الصفحة 63 من 439

(وَمَن بِهِم وَبِالكِتابِ كَذَّبَا) ، قال: (فَذَاكَ) الفاء هذه واقعة في جواب الشرط، ذاك، أي: المكذب بالكتاب وبما أرسل الله تعالى به رسله، الآبي منه، المعرض عنه، المصر على ذلك حتى مات عليه، على الكفر، وأما إذا آمن بعد كفره حينئذٍ [الإيمان] الإسلام يجب ما قبله، هذا مبتدأ خبره قوله: (ناقِضٌ) . ذاك مبتدأ (ناقِضٌ) خبره، من النقض وهو ضد الإبرام، ثم استعير إلى نقض العهد، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [الرعد: 25] . إذًا النقض ضد الإبرام (كِلا العَهدَينِ) ، (ناقِضٌ كِلا العَهدَينِ) ، (كِلا) هذا مفعول به، وهو مضاف، و (العَهدَينِ) مضاف إليه، أيُّ عهدين؟ الميثاق، والفطرة. إذًا أشار في النظم هنا في هذا الموضع إلى الميثاق الثاني، وإن كان في أول نظمه لم يشر إلا إلى الميثاق الأول، [وهو الفطرة] [1] وهو أخذ العهد على ذرية آدم لَمَّا استخرجه من ظهره، (كِلا العَهدَينِ) الميثاق الذي أخذه الله عليه، وفطره على الإقرار به، وما جاءت به الرسل من تجديد الميثاق الأول، وإقامة الحجة، ويمكن أن نجعل (كِلا العَهدَينِ) الميثاق الأول والثالث، أليس كذلك؟ (فَذَاكَ ناقِضٌ كِلا العَهدَينِ) أي عهدين؟ الميثاق الأول، الثاني الميثاق الثالث، وهو: إرسال الرسل، وهذا أظهر والله أعلم، (كِلا العَهدَينِ) الميثاق الذي أخذه الله عليه، وفطره على الإقرار به، وما جاءت به الرسل من تجديد الميثاق الأول وإقامة الحجة، بل هذا الذي يتعين أن يكون الميثاق الثاني والعهد الثاني أراد به كما قال في الشرح وما جاءت به الرسل من تجديد الميثاق الأول وإقامة الحجة، حينئذٍ الفطرة ليست داخلةً في الكلام. (مُستَوجِبٌ) بفعله ذلك، والوجوب معلوم أنه الثبوت واللزوم، هذا معطف على قوله: (ناقِضٌ) . ناقضٌ ومستوجب، (مُستَوجِبٌ) يعني على حذف حرف العطف، (لِلخِزيِ فِي الدَّارِينِ) أي في الدنيا والآخرة، يقال: خَزِيَ الرجل لحقه انكسارٌ، فإن كان من غيره فهو ضرب من الاستخفاف، قال الله تعالى: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33] . وقد وَفَى بذكر الفريقين الموفين بالعهد والناقضين له، وما لكل منهم وما عليه في الدنيا والآخرة قوله تعالى: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} ... [الرعد: 18] . {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ} هؤلاء الذين صدَّقوا بالرسل {الْحُسْنَى} الحسنى للذين استجابوا، الحسنى مبتدأ مؤخر خبره مقدم، {وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ} هذا القسم الثاني، الذين كذبوا الرسل {لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} ، قال: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} . فدل ذلك على انقسام الناس إلى طائفتين: مؤمنين، وكفار.

المؤمنون هم أهل الجنة.

(1) سبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت