الصفحة 62 من 439

(وَمَن بِهِم) من شرطية تفيد العموم كسابقتها (بِهِم) أي بالرسل، متعلق بقوله: (كَذَّبَا) . ومن (كَذَّبَا) بهم أي بالرسل، (وَبِالكِتابِ) كذلك كذب بالكتاب، وهو لازم له، يعني من كذَّبَ بالرسل فقد كذّب بالكتاب، ومن كذَّب بالكتاب فقد كذب بالرسل، وإنما ذكر النوعين لذكرهما سابقًا (وَبِالكِتابِ) أي الكتب التي أنزل الله عليهم ليبلغوها إلى عباده، ويبينوها ليعملوا بما فيها، (كَذَّبَا) هذا فعل الشرط، أصول الكلام، ومن كذبا بهم وبالكتاب، والألف للإطلاق، أي نسبهم إلى الكَذِبِ صادقًا كان أو كاذبًا، لأنهم لما كذبوا الرسل لا يلزم من ذلك أن كل من كذّب شخصًا فهو كذلك، قد يَنْسِبُهُم إلى الكذب وهو الكاذب، صحيح؟ قد تَنْسِبَ الشخص إلى الكذب وأنت الكاذب، إذًا كذبوا بآيات الله، هل يلزم من ذلك أن آيات الله كَذِب؟ الجواب: لا. إذًا ليس كل ما نُسِبَ إلى الكذب كان كذلك، إذًا كذَّب غيره سواء كان الْمُكَذِّب صادقًا أم كاذبًا هو، أم كاذبًا، ولذلك نقول: أي نسبهم إلى الكذب صادقًا كان أو كاذبًا. يعني ناسٍ، قال تعالى: {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [آل عمران: 11] . وآياتُ الله عز وجل حقّ، فقد كذَّبوا بالحق، ولازم الإعراض عنه، عمّا أرسل الله عز وجل به رسله، وهذا كذلك وصف ليس بلازم، يقال: أعرض عني ولَّى مُبْدِيًا عرضه. (وَالإِبَا) قصره للوزن هنا، أصله الإيباء، أَبَى يَأْبَى إِبَاءً، أي ولازم الإباء، وهو شدة الامتناع، الإباء شدة الامتناع، فكل إِبَاءٍ امتناعٌ ولا عكس، يعني الممتنع لا يلزم منه أن يكون شديدًا في الامتناع، بل العكس هو اللازم، فكل إِباءٍ امتناعٌ وليس كل امتناعٍ إباءً، وهم الذين قال الله تعالى فيهم، يعني من كذَّب بالرسل ولازم الإعراض عنه والإبا قال الله تعالى فيهم: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [غافر: 70] . تهديد .. إلى آخر الآيات، وقال تعالى فيهم: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه: 124] .. الآيات وغيرها، وهؤلاء أكثر الثقلين، يعني أكثر الجن والإنس مكذبون للرسل، كما قال الله تعالى: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا} [الإسراء: 89] . {أَكْثَرُ النَّاسِ} على بابها، فالذين آمنوا بالرسل وبما جاءت به الرسل هم القلة، وأهل الحق في كل زمان وفي كل مكان هم القلة، ولذلك جعل بعض السلف ضابطًا قال: انظر أين أنت في عقيدتك ومنهجك إن كنت مع القلة ستكون على الحق إن شاء الله تعالى، وإن كنت مع الكثرة حينئذٍ تكون على ما يقابل الحق. فقال تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ} . {لأَكْثَرِهِم} ، {وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 102] ، وقال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ} [الأنعام: 116] . إذًا الكثرة لم تقع في الكتاب والسنة إلا مذمومة، لأن الحق أنصاره قلة، والذين يُصَدِّقُون بالحق كذلك هم أقل، وغير ذلك من الآيات، وجواب الشرط قوله: (فَذَاكَ ناقِضٌ كِلا العَهدَينِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت