هذا محل نزاعٍ بين من كتب في هذا الفن. هل في الدنيا، أما في الآخرة المصلحة الخالصة دخول الجنة هذا لا إشكال فيه، وأما المفسدة الخالصة في الآخرة لمن خُلِّدَ في النار فلا إشكال فيه، وإنما البحث في الدنيا، هل هناك عبادة أمر الله عز وجل بها وهي خالصةٌ من كل وجهٍ عن أي شائبةٍ من المفاسد، هذا هل له وجودٌ أم لا؟ ظاهر كلام كثيرٍ من أهل العلم هو وجود هذين النوعين، يعني المصلحة الخالصة والمفسدة الخالصة، كما قلت أن المراد الخلاف هنا في الدنيا، وأما في الآخرة فلا شك أن الجنة هذه مصلحةٌ خالصة لا يشوبها شيءٌ من المفاسد البتة، وكذلك النار لمن خُلِّد فيه مفسدةٌ محضة خالصة لا مصلحة فيها البتة، حينئذٍ الكلام فيما يتعلق في الدنيا، وأكثر أهل العلم على وجود هذين النوعين في الدنيا مما رتبه الله عز وجل علا على كثيرٍ من العبادات، وذهب بعضهم إلى أنه ليس عندنا مصالح خالصة ومفاسدٌ خالصة، إذًا متقابلان، منهم من ينفي، ومنهم من يثبت. توسط آخرون كابن القيم رحمه الله تعالى في (( مفتاح دار السعادة ) )وغيره فقال:"إن أريد بالمفسدة المشقة فإنه ليس عندنا مصلحةٌ خالصة". المفسدة قد يختلف في تفسيرها إن كان المراد عبادة لا مشقة فيه البتة فلا وجود له، إذ ليس عندنا عبادة إلا وتلحقها مشقة، إما سابقة أو معها أو لاحقة، التوحيد تلحقه مشقة لأنه مأمورٌ بالبراءة من أهل الكفر ونحو ذلك والجهاد وكل ما يتعلق على هذه أو يترتب على هذه الكلمة. إذًا فيه شيءٌ من المشقة ولا شك. إذًا: إذا كان المراد بالمفسدة المشقة فلا شك أنه لا وجود للمصلحة الخالصة البتة، لماذا؟ لأنه ما من عبادةٍ شرعها الله عز وجل إلا وتلحقها مشقة إما معها أو لا حقةً بها، إن أريد بالمفسدة المشقة فإنه ليس عندنا مصلحةٌ خالصة، وإن أريد أن في نفس العبادات مفسدةً فليس بصحيح. يعني: العبادة بذاتها هي مفسدةٌ لا، وإنما لشيءٍ يلحقها خارجٌ عنها، إن كان المراد بهذا الخارج الذي عُبِّرَ عنه بالمفسدة أنه المشقة فهذا يُسَلَّم، وأما هذا لم يرد المشقة وإنما فسادٌ في ذات العبادة فليس له وجودٌ البتة، وإن أريد أنه قد يقارنها ويسبقها شيء من المشاق فلا حرج، فإن سميت مفاسد بهذا الاعتبار فلا بأس، فهي مشاقُ وإن سميت مفاسد فلا بأس. يعني: مشقة أو مفسدة، سمِّها هذا أو ذاك، وقالوا: إن المصالح الخالصة لا تكون إلا في دار القرار. نعم المصالح الخالصة لا تكون إلا في دار القرار، لكن الخلاف هنا في الدنيا، فيما أمر الله عز وجل به، كما أن المفاسد الخالصة لا تكون إلا في النار على من وجبت عليه.
إذًا: مصلحةٌ خالصة، مصلحةٌ راجحة، مفسدةٌ خالصة، مفسدة راجحة. هل ثَمَّ وجودٌ للمصلحة الخالصة والمفسدة الخالصة فيه خلافٌ، أما في الآخرة فمحل وفاقٍ وجود النوعين، وأما في الدنيا فعلى خلافٍ في تفسير المفسدة ما المراد بها؟ إن أريد بالمفسدة المشقة فليس عندنا مصلحةٌ خالصة، وإن أريد به الفساد عكس الصلاح فهذا لا، يُنْفَى ولا يقال: بأن العبادات في نفسها مفاسد.
هل يوجد قسمٌ خامس وهو ما تساوت فيه المصلحة؟ قلنا: خالصة وراجحة في النوعين المصلحة أو المفسدة.
هل عندنا قسم خامس تساوت فيه المصلحة والمفسدة؟