استفتح رحمه الله تعالى بهذا القاعدة للدلالة على أن كل ما سيأتي من القواعد هو داخلٌ تحت هذه القاعدة كما قاله بعض أهل العلم، فهذه القاعدة أعم القواعد، وهي أم القواعد، ولذلك قال: (الشارع) والمراد بالشارع هنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو الرب جل وعلا، أما إطلاقه على النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا لا إشكال فيه، لأنه يجوز أن يطلق على النبي - صلى الله عليه وسلم - من حيث الإخبار ببعض الصفات التي هي له عليه الصلاة والسلام، وأما إطلاقه على الله عز وجل فهذا محل نظرٍ من حيث إنه من باب الإخبار، وإنه لم يأت لفظ الشارع بأل هكذا الشارع اسم فاعل كمثل الخالق والرازق، وإنما جاء: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ} [الشورى: 13] . {شَرَعَ لَكُم} مع انه الله عز وجل فوصف بكونه شَرَعَ حينئذٍ جاء الفعل، وإذا جاء الفعل هل يجوز استنباط أو استخراج اسم منه يعني: محلًا بأل حينئذٍ هل نقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] نقول المستوي الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا في آخر كل ليل ثلث الليل الآخر هل نقول: النازل. إذا جاوزنا هنا جاوزنا في {شَرَعَ} ، وإن مَنَعْنا منعنا، لكن أهل العلم يرون أن هذا من باب الإخبار ليس من باب الأسماء والصفات، لكنه منضبط عندهم ابن القيم رحمه قال في (( بدائع الفوائد ) )ضبطه ببعض الضوابط أو القيود التي قد لا توجد أو تتوفر في هذا الوصف.
على كلٍّ أراد بقول الشارع الله عز وجل لأنه يشرع، الشريعة منسوبةٌ إلى من شرعها، وكذلك رسوله - صلى الله عليه وسلم -، هذه القاعدة محل إجماعٍ من أهل العلم قاطبة، بمعنى: أن الشريعة كلها مبنيةٌ على جلب المصالح ودفع المفاسد، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم البتة، بل قال كثيرٌ من أهل العلم: إن الشريعة ترجع إليها. إلى هذه القاعدة. وأن ما سواها من القواعد مأخوذٌ منها ومتفرعٌ عليها، كل القواعد الآتية بل كل القواعد التي ذكرها أهل العلم إنما هي منطويةٌ ومتفرعةٌ على هذه القاعدة، وهذا إن كان المراد به أن هذا المعنى الذي دلت عليه هذه القاعدة موجودٌ في ضمن القواعد فلا إشكال، يعني: [اليقين لا يزول بالشك] هذه القاعدة فيها تيسير، وما أمرك كذلك الله عز وجل ونبيه - صلى الله عليه وسلم - إلا لما فيه من مصالح ودفعٍ للمفاسد، هذا لا إشكال فيه.
إن وجدت الفروع بأدلتها الخاصة قيل: تضمنت جلب المصالح ودفع المفاسد، وهذا لا إشكال فيه، وأما أنه تستخلص القواعد من هذه القاعدة نقول: هذا يحتاج إلى نص، لأن القاعدة التي هي مطردة عند العقلاء أن إثبات الأعم لا يستلزم إثبات الأخص، والعكس صحيح أن إثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم هذا في مقام الإثبات، في مقام النفي نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص.