أولا:- إجماع الصحابة والتابعين، أنا أحكي إجماعا لأنه لم ينقل حرف واحد عن الصحابة في غير دلالته على التحريم، ووجود خلاف عند المتأخرين لا يزلزل طالب العلم ولو كان موجودا في المذاهب الأربعة، وإنما تنظر في هذه المسألة هل وجد نزاع بين الصحابة أو لا يعني تنظر من الأعلى إلى الأدنى لا ترجع بالعكس هذا خطأ لأنه يُصور لك المسألة على غير وجهها، وإنما تنظر هل الصحابة اختلفوا على دلالة افعل هل وجد بينهم حمل لا تفعل - وهي مطلقة - على التنزيه ونحوها؟ الجواب: لا.
والقول هنا كما ذكرناه سابقا لا تفعل إما أن تقترن بما يدل على التنزيه أو تقترن بما يدل على التحريم أو تكون مطلقة، والحديث هنا في مطلق النهي إنما يدل على التحريم الدليل الأول إجماع الصحابة والتابعين حيث أنهم يستدلون بتحريم الشيء بصيغة:
لا تفعل كابن عمر وابن عباس وغيره يحكم بالتحريم ويأتي بنص نبوي أو قرآني فيه: لا تفعل ... دل على ماذا؟ على أنه فهم من هذه الصيغة التحريم فالزنا مُحرم لقوله - تعالى - {ولا تقربوا الزِّنَا} [1] صيغة: لا تفعل نفهم التحريم ما نازع أحد في ذلك ونحو ذلك فكانوا ينتهون عن ذلك بمجرد استماعهم للصيغة فينتهون عن المنهي عنه ويعاقبون المتلبس به.
ثانيا:- إجماع أهل اللغة واللسان في ذلك إذ لو قال السيد لعبده لا تدخل البيت فدخله فعاقبه هل يلام ويذم السيد؟ ... الجواب: لا، لا يلام إذ لو قال: لعبده لا تدخل البيت فإنه يدل على كفه فلو خالف استحق العقوبة كذلك قسموا الكلام إلى أمر ونهي .... إلى آخره وجعلوا الأمر: افعل، وللنهي: لا تفعل، وهذا واضح بيِّن مجمع عليه كذلك قوله - تعالى:
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [2] إذًا صيغة النهي تقتضي التجرد للتحريم حقيقة لدليلين إجماع الصحابة، وإجماع أهل اللغة على ما ذكرناه، وذكر بعضهم دليلا ثالثا وهو قوله - تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ} الأمر بالانتهاء عما نهى عنه يقتضي بوجوب الانتهاء، ومن لازم ذلك تحريم الفعل هذا هو ما يدل عليه صيغة: لا تفعل أولا تحريم المنهي عنه ثم الدلالة الثانية، وهي مسألة مهمة وكبيرة عريضة أُلِفَ فيها على جهة الخصوص وهي فساد المنهي عنه مطلقا سواء كان في العبادات أوفي المعاملات سواء إن كان النهي لذات المنهي عنه أو للازم خارج عنه لوصفه دون تفصيل، والتفصيل الذي وقع عند كثير من المتأخرين هو تفصيل حادث إذًا يدل على فساد المنهي عنه وأعظم حجة في ذلك حديث عائشة رضي الله - تعالى - عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال {مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عليه أَمْرُنَا، فَهْو رَدٌّ} [3] .
(1) - الاسراء (32)
(2) - الحشر (7)
(3) - صحيح البخارى (باب إِذَا اجْتَهَدَ الْعَامِلُ أَوالْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ خِلاَفَ الرَّسُولِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، فَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ) ، وصحيح مسلم باب نقض الأحكام الباطلة، وأنظر كتاب جامع الأحاديث باب حرف الميم