ونقل الزركشي عن القرطبي قوله:"وسدُّ الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه , وخالفه أكثر الناس تأصيلًا، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلًا" [1] .
ومن أهم الأدلة على اعتبار قاعدة سدِّ الذرائع في الأحكام مايأتي:
أولًا: جاء الشرع بتحريم وسائل لاشكَّ في إباحتها لو تجرَّدت عما أفضت إليه, وقد تتجرَّد فترجع إلى أصل الإباحة, وانما حرَّمها الشارع، لعِلَّة إفضائها إلى مُحَرَّم , ومن ذلك:
-قوله تعالى {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] .
فالله - عز وجل - حرّم سبَّ آلهة الكفار مع أنه عبادة، وعلَّل هذا المنع بكونه ذريعةً إلى سبِّهم له -جلَّ وعلا- فمصلحة تركهم سبّ الله - سبحانه - راجحةٌ على مصلحة سبِّنا لآلهتهم [2] .
-تركُه صلى الله عليه وسلم قتلَ المنافقين، مع أنَّ في قتلهم مصلحةً كبيرة، وذلك لئلا يكون ذريعةً إلى قول الناس:"إنَّ محمدًا يقتل أصحابه" [3] وهذا القول يوجب النفور عن الإسلام , ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل [4] .
-قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها:"لولا قومك حديثو عهدٍ بكفرٍ لنقضتُ الكعبةَ فجعلت لها بابين، بابٌ يدخل منه الناس، وبابٌ يخرجون" [5] .
فكان تركُه صلى الله عليه وسلم لذلك سدًَّا للذريعة؛ حتى لايوجب استنكار الناس، وربما أدّى ذلك إلى ارتداد بعض مَن دخل في الإسلام حديثًا.
(1) البحر المحيط: (6/ 82) .
(2) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (2/ 265) , الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (7/ 61) , بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية (256) ,إعلام الموقعين (5/ 5) .
(3) سبق تخريجه: ( ... 238) .
(4) ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (7/ 159) ,بيان الدليل على بطلان التحليل لابن تيمية (257) ، إعلام الموقعين (5/ 7) .
(5) سبق تخريجه: (238) .