-قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا قَالَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ قَالَ سُوقُ قَيْنُقَاعٍ قَالَ فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فزاحمهم وبزهم في ميدانهم، فما لبث غير قليل حتى كسب مالًا وتأهل من ماله ولم يرزأ سعدًا بشيء) [1] .
لقد كان عبد الرحمن عفيفًا ولكن تعجز النساء أن يلدن مثل سعد بن الربيع رضي الله عنه.
هذه مرتبة مستحبة، وليست هي واجبة أو فريضة محتمة كما كان في دين السيد المسيح الوجيه المقرب صلى الله عليه وسلم، إذ قد روي أن اتباعه كانوا يخرجون من أموالهم ويضعونها في صندوق مشترك تصرف منه أمراؤهم على كافة أفراد الجماعة، فالله درهم.
بً - طيب الكلام والمبسم والبشاشة في وجه الأخوة ورد السلام والفرح باللقاء:
طيب الكلام وحسنه بين الأخوة، مدعاة لجلب المحبة ودوامها وفي هذا يقول المولى عز وجل: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 83] ووصف عباده الصالحين أنهم طيبي الكلمة فقال عز وجل: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) [الحج: 24] والقول الطيب والكلام الحسن يبطل كيد الشيطان ويسد أمامه الطريق للإفساد والتفريق بين الاخوة وفي ذلك يقول تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) [الإسراء:53] وهذا أمر من الله سبحانه وتعالى يفيد وجوب طيب الكلام وحسنه واختيار أفضل العبارات أوضحها في التعبير عن المقصود وإدخال السرور لقلب أخيك كل ذلك يدخل في مفهوم طيب الكلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ) [2] .
ومن طيب الكلام أن يدعوا أخاه بأحسن أسمائه، وأحبها على قلبه يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث يصفين لك ود أخيك تسلم عليه إذا لقيته وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب أسمائه إليه) [3] .
والمبسم و البشاشة في وجه الأخوة من موجبات الأخوة الإيمانية وكذلك هو من وسائل كسب القلوب، لأن الوجه عبارة عن المرآة التي تعكس ما هو موجود في داخل أعماق الإنسان، فإذا كان الوجه طليقًا بشوشًا كان موحيًا بالبشر والمحبة في نفس المقابل، أما عن كان عبوسًا مظلمًا فلا شكَ أنه يوحي في قلب المقابل بالضيق والاشمئزاز وعدم الانشراح، فعلى الأخوة أن يطلقوا وجوههم فيما بينهم وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ) [4] .
وإما إفشاء السلام، فهو أدب من آداب الإسلام الاجتماعية، وقد أمر الإسلام المسلمين به، فالمسلم مطالب بأن يسلّم على من عرف من المسلمين ومن لم يعرف، ومكلف أن يرد التحية بمثلها أو بأحسن منها.
قال تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) [النساء: 86]
ولايستهين بهذه بهذا الأدب ويعرض عن تطبيقه إلا مصاب في أخلاقه بمرض الكبر والعجب بالنفس، أو بالأنانية المفرطة التي يبخل معها بعطاء التحية، وعطاء التحية أهون عطاء يبذله الإنسان من لسانه ووجهه.
قال صلى الله عليه وسلم: (لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) [5] .
وهذا الأدب الإسلامي الاجتماعي يمثل أول خيط من خيوط الترابط الاجتماعي، وتكراره يعقد الصلات وينسج المودات.
(1) رواه البخاري رقم (1907) .
(2) البخاري رقم (2767) .
(3) الحاكم (5815) وهو حسن وغيره ..
(4) مسلم رقم (4760) .
(5) مسلم رقم (81) .