فكانت الإجابة التي زلزلت الكافر.
قَالَ: هَذَا ابْنُ أَخِيك المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ .. !
قَالَ: أَيْ غُدَرُ! وَهَلْ غَسَلْت سَوْءَتَك إلّا بِالأَمْسِ؟! [1]
فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه ..
بعد كل ما قاله .. العوذ المطافيل .. وجلد النمور وكل العبارات الخائبة ..
-أبو بكر يقول كلمته ..
-والمغيرة يضربه ..
-والرسول يبتسم ..
ثم .. قَامَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ رَأَى مَا يَصْنَعُ بِهِ أَصْحَابُهُ:
لَا يَتَوَضّأُ إلّا ابْتَدَرُوا وَضُوءَهُ ..
وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقًا إلّا ابْتَدَرُوهُ ..
وَلَا يَسْقُطُ مِنْ شَعْرِهِ شَيْءٌ إلّا أَخَذُوهُ .. !
فرجع إلى قريش فقال: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إنّي قَدْ جِئْت كِسْرَى فِي مُلْكِهِ، وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ، وَالنّجَاشِيّ فِي مُلْكِهِ ..
فنكتشف من قوله سر اختيار قريش لهذا الرجل .. إنه جليس الملوك، خبير المعاهدات .. أقصى إمكانية سياسية لدى قريش في هذا الموقف العصيب.
وها هو يتكلم ويقول رأيه النهائي:
وَإِنّي وَاَللّهِ مَا رَأَيْت مَلِكًا فِي قَوْمٍ قَطّ مِثْلَ مُحَمّدٍ فِي أَصْحَابِه، وَلَقَدْ رَأَيْت قَوْمًا لَا يُسْلِمُونَهُ لِشَيْءِ أَبَدًا، فَرَوا رَأْيَكُمْ!
فتلك هي العناصر القاتلة للجاهلية .. المسلمون مقاتلون في كل لحظة، ولا ينتظرون فقط إلا الإذن بالقتال، وهذا تفسير التسوية بين من قضى نحبه ومن ينتظر .. بين من قاتل ومن ينتظر القتال، فلكليهما نفس الأثر في قلوب الأعداء .. وبذلك يكون للسياسة أثر الدماء في تحقيق الهدف.
حماية الدعوة من الاصطباغ بالصبغة العسكرية البحتة:
ولا نعني بذلك نفي هذه الصبغة، ولكن نعني طغيان هذه الصبغة على الدعوة كحركة هداية ورحمة ..
وبذلك يعني مفهوم سياسة القوة:
(1) قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَرَادَ عُرْوَةُ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قَبْلَ إسْلَامِهِ قَتَلَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَالِكٍ مِنْ ثَقِيفٍ، فَتَهَايَجَ الحَيّانِ مِنْ ثَقِيفٍ: بَنُو مَالِكٍ رَهْطُ المَقْتُولِينَ، والأَحْلَافُ رَهْطُ المُغِيرَةِ، فَوَدَى عُرْوَةُ المَقْتُولِينَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ دِيَةً وَأَصْلَحَ ذَلِكَ الأَمْرَ، فهو يعايره بفعله من أجله.