ويعبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حقيقة الأمية بقوله: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» مشيرًا بيده وأصابعه [1] .
ولعل أهم أمثلة التعالي الجاهلي بالثقافة المقابلة للأمية .. كانت الثقافة اليونانية والرومانية .. وكانت هذه الثقافة هي بذاتها .. مادة اختلاط حقائق الدين المسيحي المنزلة من عند الله، وكانت سببًا مباشرًا في دخول الوثنية إليه، والترحيب بها لدى كثير من بلدان الدين المسيحي ذاته.
وكما تكون البساطة أساسا في أسلوب عرض قضايا الدعوة كذلك تفعل الجاهلية في مواجهة قضايا الدعوة.
لكن الجاهلية لن تتركنا والعامة، بل ستحول بيننا وبينها، وستمنعها عنا، وسترتكز الجاهلية في ذلك على خصائص الجماهير.
الارتكاز الجاهلي على خصائص الجماهير:
هذا هو النمرود الذي حاج إبراهيم في ربه يقول: «أنا أحيي وأميت» .. فينتقل سيدنا إبراهيم إلى دليل آخر، ولم يكن هذا تسليمًا بإمكانية ذلك، ولكنه اليقين بإمكانية خداع الجماهير بأي صورة من الصور التي وردت في التفسير ..
وهي أن يأتي باثنين محكومًا عليهما بالإعدام فيعدم أحدهما ويترك الآخر، ويقول: أنا أحيي وأميت، فتصرخ الجماهير بذلك الموقف الوهمي والمتحمسة لموقف الملك الكذاب!!
هذه هي الجماهير في ظل الجاهلية ..
وعندما قال فرعون: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ} [غافر: 36] .. إنما أراد أن يضاعف إخضاع الجماهير؛ لأنهم يعرفون هامان كما يعرفون فرعون.
تتضاعف رموز السلطة في إحساس الجماهير.
وعندما قال: «ابنِ لي صرحًا» أراد أن يبدو أمام الجماهير في غاية الموضوعية والمنطقية، وكأنه سيسير مع القضية خطوة خطوة، وأمام الناس.
وبذلك تصبح الجماهير الساذجة أمام الفضاء ..
يضع أعينهم أمام الفراغ .. ماذا بعد الصرح؟! لا شيء .. وهذه هي النتيجة المطلوبة .. أن يعتقد الناس أنه لا شيء في السماء، وأن موسى كاذب.
إن البساطة أمر فرعوني واضح في التعامل مع الجماهير، والعامة تنخدع بمنتهى البساطة.
ألم يجعل لهم السامري عجلًا جسدًا له خوار؟
وبنفس منطق السامري واصل الصليبيون الخداع ..
وهذا فصل حيل الرهبان:
(1) أخرجه البخاري (2/ 675، 1814) ، ومسلم (2/ 761، 1080) ومعناه أنه أشار بيده ثلاث مرات: في المرة الأولى والثانية يبسط أصابعه كلها دلالة على عشرة أيام وعشرة أيام، وفي الثالثة بسط أصابعه عدا واحدًا؛ للدلالة على رقم (9) أي أن الشهر (29) يومًا ..