{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 37، 38] .
رابعًا: أن التجربة ضمان للصواب:
ولذلك يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم الحذر من معاودة الخطأ بالاستفادة من أي تجربة خاطئة فيقول: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين» [1] .
غير أن الاستفادة الحقيقية من تجارب الدعوة السابقة رهن بالتقييم الصحيح لها فكرًا وتطبيقًا.
فمن ناحية الفكر والمنهج يتم التقييم على أساس الالتزام بالكتاب والسنة والفهم السلفي لهما.
ومن ناحية التطبيق والواقع فإن التقييم يتم على أساس بلوغ حد الاستطاعة ماديًّا وتنظيميًّا لتحقيق الهدف المحدد للتجربة.
أما التقييم الخاطئ للتجربة فهو الذي يبتعد عن جوهرها الشرعي والحركي فيفقدها أثرها في واقع الدعوة؛ حيث يصير التقييم بالابتعاد عن جوهر التجربة مجرد كلام نظري لا يتجاوز ناحيتها الشكلية أو نتائجها المادية، وبناء على التقييم الإيماني الصحيح فإن هناك تجارب إسلامية عظيمة وإن لم يكن لها نتائج مادية في الواقع ولكنها أخذت تلك الصفة لتحقق المستوى الإيماني الكامل فيها.
وهؤلاء هم أصحاب الشجرة يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم على القتال بصدق فيرضى الله عنهم دون أن يقاتلوا: {لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] .
وقد يكون للتجربة آثارٌ ونتائج سياسية وإعلامية ضخمة وظاهرة، ولكن دلالاتها الإيمانية تكون خافية بجانب هذه الآثار الظاهرة؛ فيصبح من الواجب تحري هذه الدلالات الإيمانية للتجربة لتكون مثلا لأصحاب الدعوة.
(1) البخاري، كتاب الأدب، باب لاَ يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ، ح6133. مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب لاَ يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ، ح7690.