خرج الشباب إلى الناس بإحساس الصحابة عندما صدعوا بالحق في مكة، وتصوروا نتيجة هذا الإحساس أن الناس ستتعامل معهم مثلما تعامل كفار مكة مع الصحابة، لكنهم فوجئوا بترحيب الناس بهم، وارتياحهم لدعوتهم، وتجاوبهم معهم، ولم يكن شيء مما توقعوه في مخيلتهم، فاختلطت مشاعر الغرابة والفرح .. !
لقد كان راسخا في إدراك هؤلاء الشباب أن المنهج المطلوب تحديده لن يكون صحيحا .. إلا من خلال المواجهة! وكانت هذه هي الحقيقة الأولى المستفادة من تلك التجربة ..
ولكن تجربة المواجهة الأولى كانت مع العامة، ولم يكن في حساباتهم أن هناك من سيكون له موقف قريش الذي كانوا يتوقعونه من البداية .. !
مصر .. عبد الناصر:
ابتداء من الحضانة التي كان أشهر شعاراتها: «يا رب احفظ بابا جمال» ..
ومرورا بالمرحلة الابتدائية ذات المناهج المشحونة بالأفكار الاشتراكية وشخص عبد الناصر ..
والمرحلة المتوسطة التي تتواصل فيها المناهج الموجهة، وتكون فيه الرحلات الإجبارية إلى الهرم والسد العالي؛ لربط الشباب تاريخيا بالفراعنة بناة الهرم، وحاضرا بالزعيم باني السد ..
وانتهاء بالجامعات التي فرغت فيها قاعات المحاضرات، بعد توزيع الطلبة على الرحلات والمؤتمرات والمعسكرات ومسيرات التأييد والبيعة مدى الحياة للزعيم الملهم .. !
كان الأستاذ الجامعي الملحد .. هو النموذج الاجتماعي لشباب مصر ..
وكان الكتّاب الذين يكتبون القصص التي تتضمن القيم والمفاهيم والتقاليد المعادية للإسلام هم رموز الأمة ..
ومن القصة إلى الفيلم، من أجل صناعة مجتمع كافر بكل أبعاد الكفر الصريح ..
جميع الكتاب والمفكرين والصحفيين ملزمين بالهجوم على الإخوان كرمز للدعوة، وكان هذا الهجوم هو الإذن الرسمي بالدخول في أي مجال إعلامي ..
كانت البراعة والعبقرية تقاس بمستوى هذا الهجوم المفروض ..
وهكذا كان التعليم .. وهكذا كان الإعلام والثقافة ..
كانت المؤسسات الدينية جميعها وبكل توجهاتها -وبلا استثناء- تجتمع وتتفق وتنطلق عندما تكون المهمة هي الإنكار وبشدة على الإخوان أو أي عمل من أعمالهم ..
وفي المقابل كان التدين يعني التصوف، وكانت كل المحاولات السياسية لإثبات تدين القائمين على السلطة هي زيارة ضريح الحسين!
وكان الانتماء للدين لا يعني سوى أخذ العهد على شيخ من شيوخ الطرق الصوفية!
وفي ذلك الوقت كان الشباب المواظب على الفرائض يبحثون له عن راقٍ، يتهامسون حوله: هل به مس؟
كان الشباب المواظب على الفرائض يصلي الفجر سرًّا دون أن ينتبه إليه أحد، بعد انتشار إشاعة تقول أن من يصلي الفجر يقبض عليه ..