فالقضية زرعت في الخلية الأولى أخطر خصائص الحركة الصحيحة، فمن الناحية التربوية كانت عقيدة التوحيد، والحياة بمقتضياتها، والولاء لأهلها، والمفاصلة مع المجتمع عليها ..
كما أن اقتراب الشباب من الجماعة أوجد ترحيبا شديدا من شيوخ الجماعة، فتعاملوا مع الشباب حديثي السن باعتبارهم إخوة، مما أحدث نضجا في شخصية هؤلاء الشباب ..
ومن الناحية الفكرية كان التعامل مع النصوص الشرعية «القرآن والحديث» هو الذي أوجد أساسا سلفيا لتفكيرهم، كما كان هذا الأساس حافظا لهؤلاء الشباب من أي تيارات فكرية معادية للإسلام، مثل الصوفية والشيوعية التي كانت منتشرة في المجتمع بصورة خطيرة للغاية ..
ورغم تركيز الجماعة دعويا على قضية الأضرحة؛ إلا أن التعامل مع النصوص الشرعية بصورة مباشرة -قراءة القرآن والحديث- وفقا لمنهج للجماعة كان أساسا في تكوين تصور كامل للإسلام، وخصوصا عند قراءة كتب الجهاد والغزوات والسير والحدود في صحيح البخاري ومسلم.
وكذلك كانت الجماعة هي مكان التعرف على كتابات السلف الصالح .. كتب ابن تيمية وكتب ابن القيم ..
هذا من حيث قضية الجماعة، أما من حيث ظروف الجماعة .. فقد كانت عزلتها سببا في بعد هؤلاء الشباب عن المتابعة الأمنية!
وهناك حقيقة مهمة بخصوص جماعة أنصار السنة، وهي أن البداية التاريخية للجماعة كانت قائمة على المعنى الكامل للتوحيد، «الحكم والنسك والولاء» ، من خلال الشيخ حامد الفقي مؤسس الجماعة، وهناك وثائق تثبت ذلك ..
وظل لهذا التصور الكامل أثرا باقيا في الجماعة، كان سندا لشباب الخلية الأولى عندما وصلوا لهذا التصور وأعلنوه بين الجماعة ..
ولكن المساندة تمثلت في نصح الشيوخ بتقدير موقف الشباب الذي ينطق بالحق، ونصح الشباب بالمحافظة على الجماعة حتى تستمر الدعوة ..
ولأن بقاء شباب الخلية الأولى في الجماعة كان أمرا صعبا أو مستحيلا، فقد خرج الشباب من الجماعة، لينتقلوا إلى ظروف أخرى وهم لا يملكون أي خبرة .. أو إمكانية .. أو تأييد .. أو تصور .. إلا ما تعلموه من الجماعة!
الخروج إلى المجتمع المصري:
لقد ظلت مجموعة الشباب تقرأ النصوص بعيدا عن الواقع، وكان من الصعب أو المستحيل الاستمرار علي هذه الحالة، فكان لابد من الخروج للمجتمع، ولكن كيف؟! توزع اتجاه التفكير في هذه المرحلة إلى عدة اتجاهات:
-البقاء علي حال القراءة حتى يكتمل التصور الشرعي اللازم للخروج إلى الناس ..
-أو الخروج كضرورة شرعية ليتحدد مع هذا الخروج وباستمراره أساسيات التصور المطلوب ..
والحقيقة أن كلا الموقفين بقيا كمنهج ومنطلق فكري للمناهج القائمة حتى المرحلة التي تعيشها الدعوة الآن!
فخرج أصحاب الموقف الأول ليتعاملوا مع الناس بنفس النظرية التي تبنوها قبل خروجهم إلى الناس، فبقي أصحاب هذا الموقف على الدراسة النظرية، ليكون الحد النهائي للمواجهة مع المجتمع هو مهمة تفهيم من أراد الفهم من الناس، واعتبار العلم هو بداية العمل الإسلامي ومنتهاه ..
وخرج أصحاب الموقف الثاني ليمارسوا المواجهة بصورة عملية دون خطة أو تصور محدد، وتمثلوا في موقفهم هذا موقف إعلان الدعوة على الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ..