وحتى في سياق هذه المحاولة .. حدثت تجارب خاطئة، لم تحقق الارتباط بين منهج الحركة والسنن الثابتة وأحاديث آخر الزمان وعلامات الساعة بصورة صحيحة، ولكن فضل إبراز هذه الأساسية لم يذهب مع خطأ المحاولة، حيث التقط آخرون هذا التوجه الحركي ليعالجوا أخطاءها، ويحددوا التصور القدري الصحيح لمنهج الحركة.
وما أن بلغت الدعوة هذه المرحلة المنهجية الهائلة -والتي توافرت واستقرت فيها الأساسية العقدية والحركية والشرعية والقدرية- حتى انطلقت بكل قوتها وبكل استعدادها للبذل والتضحية؛ فتجاوزت الدعوة مرحلة الجدل وغموض السبيل وقصر الرؤية الصحيحة للعمل؛ الأمر الذي تطلب إبراز الأساسية السياسية لتحقيق ضبط القوة وتوجيه الاستعداد؛ ليتحقق أكبر قدر من الأهداف المحددة للدعوة ..
وبعد هذه المقدمة المنهجية نعود إلى واقع الحركة الإسلامية في مصر من بدايتها.
الإخوان المسلمون كبداية تاريخية:
كانت تجربة الإخوان واقعا جامعا لكل تجارب الدعوة الحركية والفكرية، حتى ظهرت كتابات سيد قطب التي مثلت نقلة نوعية لمجموع تلك التجارب، ليتربى عليها الشباب الذين دخلوا بعد ذلك في تجربة الفنية العسكرية، لتكون تجربة الفنية منطلقا تاريخيا لعدة محاولات حركية عرفت باسم تنظيمات الجهاد 77 - 97 .. حتى أحداث 81 التي كانت امتدادا فكريا وتربويا لكل الأحداث السابقة عليها ..
وقد لخصت كلمة كارم الأناضولي في محكمة الفنية العسكرية الدرس التاريخي المأخوذ عن هذه التجربة، وكانت ملهمة لهم في استمرارهم حتى الدخول في تجربتهم الجديدة في 81.
ولعل أبرز الأمثلة الدالة على ذلك الامتداد؛ أن يكون محمد عبد السلام فرج -وهو من أهم عناصر التجربة- امتدادا مباشرا لتنظيمات الجهاد السابقة عليه ..
الخلية الأولى:
وتماما مثلما يكون الأمر في الكائن الحي .. يكون الأمر في واقع الدعوة، حيث يحمل الكائن الحي كل خصائص الخلية الأولى ..
ومثلما تؤثر الظروف المحيطة بخلية الكائن الحي فيها .. تؤثر ظروف الخلية الأولى للحركة ..
فما هي ظروف الخلية الأولى للحركة؟
لقد أوجد الله بقدره ثغرة في هذا الواقع، لتكون أول ظرف مناسب للخلية الأولى، وكانت هذه الثغرة هي بقايا صغيرة جدا من أهل السنة، في حالة تقوقع وانقطاع عن المجتمع، حظيت باستثناء نادر من بطش نظام عبد الناصر، بسبب بعدها عن السياسة والواقع، في مقابلة فكر جماعة الإخوان المنغمس في السياسة والواقع ..
ومثلت جماعة أنصار السنة المحمدية أكبر وأقوى ظهور لهذه البقايا ..
فلم ينتبه لها أحد، لأنها هي نفسها لم تكن تدري أنها ثغرة!
كان الأمن مطمئنا إلى الجماعة لأن قضيتها -قضية القبور والأضرحة ومحاربة البدع- لا تمثل خطرا أمنيا ..
كما أن الجماعة كانت محدودة جدا بزوايا قليلة لا يرتادها إلا بعض المسنين السنيين المنعزلين عن الناس والمكروهين منهم!
لكن قضية الجماعة وظروفها كانت هي نفسها أساس صلاحيتها كحاضنة للخلية الأولى!