ولكن الأمانة تقتضي القول بأن ظهور هذه الأساسيات في الواقع لم يكن بهذا الترتيب الصحيح ..
حيث برزت دعوة الإخوان من خلال: الأساسية الحركية .. فقدمت نموذجًا لا مثيل له في البناء التنظيمي للجماعة، ونماذج لا يعلى عليها في أساليب الحركة، وهي التي أظهرت على خط القناة منهجا حركيا تاريخيا .. في حرب الإنجليز، وقدرات تكتيكية عسكرية هائلة في حرب اليهود عام 1948 ..
ولم يكن الواقع يسمح بخلاف عقيدي حول العدو، حيث أن كفر الإنجليز واليهود كان أساس الاندفاع العسكري نحو المواجهة ..
ولكن قيام الحركة الخبيثة للضباط عام 1952 أنشأ ضرورة الحكم على العدو الجديد .. لينشأ معها الأساسية العقدية التي اكتملت في كتابات الأستاذ سيد قطب .. مما أنشأ خلافا خطيرا تحول بالحركة الإسلامية إلى متاهات فكرية، تسببت بدورها في تراجع المنهج الحركي إلى الصفر الذي بدأ منه شباب الحركة الإسلامية مرحلة ما بعد تنظيم 65 .. !
فكان الخلل في العلاقة الجدلية الصحيحة بين الفكر والحركة هو أخطر ما واجهته الدعوة في تلك المرحلة ..
فجرى إنشاء الأساسية العقدية على حساب المستوى الحركي للدعوة، بعد تغييب أصحاب الحركة في السجون ..
ورغم ذلك، فقد كان إنشاء الأساسية العقدية -في نفس الوقت- شرطا لبداية جديدة صحيحة حققت منطلقا تاريخيا للحركة حتى الآن ..
لتبدأ الدعوة بعد توافر الأساسية العقدية بخبرة حركية ضعيفة، تمثلت في عدة محاولات لم تدخل منها حيز التنفيذ سوى محاولة الفنية العسكرية، وبفكرة خداعية غير قائمة على المواجهة العسكرية الفعلية.
وذلك بعد انقطاع الصلة العملية بين أصحاب المستوى الأول في الحركة
-بسبب سجنهم- وأصحاب المحاولات الأخيرة الذين بدءوا بخبرتهم وإمكانياتهم الذاتية.
ولكن البداية الجديدة للأساسية الحركية بخبرة المبتدئين وإمكانياتهم الذاتية أظهرت خطا حركيا خطيرا؛ وهو الارتكاز على الخبرة الشخصية والذكاء العقلي، حتى بلغ الأمر أن تكون أهم مراجع الحركة .. كتابات حرب العصابات وتجارب الكفاح المسلح التي لا تمت إلى الإسلام بصلة!
الأمر الذي أنشأ -بالضرورة- الأساسية الثالثة، وهي الأساسية الشرعية، الداعية إلى الالتزام بالدليل الشرعي في كل مراحل الدعوة، وضرورة أن يكون لأصحاب الدعوة سلف في كل موقف أو تصرف، والاهتمام بالعلم الذي تتوفر به الأدلة، حتى لا تكون دعوة داعية إلى إقامة المجتمع المسلم .. وهي تفتقد شرعية حركتها وسلفية منهجها!
وهي أساسية جوهرية أسهمت بصورة طيبة في تأصيل الدعوة من حيث قضيتها وأسلوب جمع الناس حولها ..
ورغم أن هذا التأصيل قد تم من خلال الأساسية العقدية؛ فكان لأصحاب سلفية الدعوة فضل تثبيت هذا التأصيل الشرعي في الواقع بسبب تواجدهم في هذا الواقع بصورة واسعة.
وأخيرا .. ونحن نواصل تحليل أساسيات المنهج الكامل من حيث الواقع، يجب الانتباه إلى حقيقة أن الخطأ والصواب كان احتمالا قائما على جميع من حاول إبراز أي أساسية من هذه الأساسيات إلى الواقع ..
ولكن قيام الاحتمال لا يلغي فضل المحاولة ..
وهذا ما كان واضحًا في إبراز الأساسية القدرية بصورة كبيرة؛ وذلك لأن الفشل المتلاحق لتجارب الدعوة في مصر جعل أصحاب الدعوة يبحثون عن علة هذا الفشل، فكانت أهم محاولة للبحث هي: الاتجاه القائل بأن الدعوة لها أسباب وسنن يجب ارتباط منهج الحركة بها، كما يجب ارتباط منهج الحركة بأحاديث آخر الزمان وعلامات الساعة ..