ثانيًا: من الجانب الإسلامي:
1 -أصالة الامتداد وصدق الموقف:
يتمثل الموقف الإسلامي في مواجهة خصائص الموقف السياسي الجاهلي في جانبين أساسيين: أصالة الامتداد (السلفية) وصدق الموقف (الشهادة) ..
وهما الجانبان اللذان تركز الجاهلية الحرب عليهما، باعتبارهما الجوهر الحقيقي للموقف الإسلامي الذي يتهددها ..
فبدأت بمحاولة اختزال «السلفية» في التراث النظري للأمة ..
وانتهت بتعميق الهوة بين أصحاب الاتجاهات النظرية وأصحاب الاتجاهات الحركية، لتأكيد حالة الانفصام ..
ومن هنا كان من الضروري التأكيد على حقيقة الوحدة بين النظرية والعمل عند سلف الأمة ..
ولعل قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69] هو الأساس في هذه الحقيقة، حيث قال سفيان بن عيينة لابن المبارك: «إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ} » .
وقد وردت الآية التي تأمر بطلب العلم والتفقه في الدين في سياق عملي جهادي خالص، وبنفس الصيغة التي ورد بها الأمر بالخروج للقتال:
{وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ} [التوبة:122 - 123] .
يقول الأستاذ سيد رحمه الله: «ولقد وردت روايات متعددة في تفسير هذه الآية، وتحديد الفرقة التي تتفقه في الدين وتنذر قومها إذا رجعت إليهم .. والذي يستقيم عندنا في تفسير الآية: أن المؤمنين لا ينفرون كافة. ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة -على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون- لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة؛ وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم، بما رأته وما فقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة ..
والوجه في هذا الذي ذهبنا إليه -وله أصل من تأويل ابن عباس رضي الله عنهما، ومن تفسير الحسن البصري، واختيار ابن جرير، وقول لابن كثير- أن هذا الدين منهج حركي، لا يفقهه إلا من يتحرك به؛ فالذين يخرجون للجهاد به هم أولى الناس بفقهه؛ بما يتكشف لهم من أسراره ومعانيه؛ وبما يتجلى لهم من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به. أما الذين يقعدون فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممن تحركوا، لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا؛ ولا فقهوا فقههم؛ ولا وصلوا من أسرار هذا الدين إلى ما وصل إليه المتحركون وبخاصة إذا كان الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والخروج بصفة عامة أدنى إلى الفهم والتفقه» [1] .
والحقيقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مهبط الوحي ومصدر العلم، فإذا نفر للجهاد -كما حدث في تبوك- تعيَّن الخروج على جميع المؤمنين {مَا كَانَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} ويكون خروج من خرج معه نفرة للجهاد وللتفقه في الدين معًا، فإذا لم يخرج صلى الله عليه وسلم وانتدب الناس للجهاد، يكون بقاء من بقي معه للتفقه في الدين.
ومن النماذج التاريخية الجامعة لهذين الجانبين: الإمام ابن تيمية رحمه الله، الذي يقول تفسيرًا لقوله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ
(1) في ظلال القرآن في تفسير قوله تعالى: {وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ... } .