الصفحة 113 من 164

الفصل الثاني

محاور النظرية السياسية الجاهلية

1 -المحور الإعلامي:

ولكن الجاهلية تقاوم، وسيكون أخطر عناصر هذه المقاومة: المواجهة الإعلامية الجاهلية للدعوة الإسلامية .. وسيتركز المحور الإعلامي هو الآخر على عدة ركائز:

-المتابعة الدقيقة لأصحاب الدعوة بحيث لا تدع الداعية لحظة واحدة يخلو فيها إلى الناس، وهذا أبو لهب يحقق أعلى مستويات المتابعة، حيث يسير وراء الرسول وهو يدعو إلى دين الله ليقول للناس في آخر كلامه: هذا ابن أخي .. لا تصدقوه.

ومنذ أن انتشرت الشياطين في جميع الأرض لم تقف المتابعة عند حد إقليمي أو مستوى دولي، وقد مر في الكتاب أنه كما كانت المتابعة في مكة كانت في المدينة، وقد مر كيف أرسلت قريش إلى عبد الله بن أُبيٍّ تعتب عليه وجود الرسول في المدينة وتهدد بالتدخل العسكري لإنهاء هذا الوجود.

وليس هناك من دليل على دقة المتابعة العالمية للحركة الإسلامية من حادثة كعب ابن مالك [1] .

-التأكيد على إصابة أصحاب الحدث الإسلامي بأمراض وعقد نفسية .. مثلما قال قوم شعيب لنبيهم بعد إعلان دعوته: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 54] .. ومثلما قالوا لرسول الله بعد إعلان النبوة: إن كان أصابك شيء طلبنا لك الأطباء [2] .

-التنفير الدائم للناس من أصحاب الدعوة، وذلك من خلال تصويرهم في أذهان الناس في صورة سيئة، وهذه هي الفكرة القديمة التي مارسها فرعون عندما قال عن موسى: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} [الزُّخرُف: 52] ؛ وذلك بسبب العقدة التي كانت في لسان موسى، وكذلك اتهام بني إسرائيل لموسى بأنه آدر لما وجدوه لا يستحم معهم، وجاء ذلك في قول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69] .

هذه الفكرة القديمة التي تُمَارَسُ بالأساليب الحديثة والخبرات الفنية، ونظرة واحدة إلى صور المقبوض عليهم في قضايا إسلامية تؤكد لك هذه الحقيقة.

تصنع الصور بالأساليب الحديثة، بحيث تظهر: الزيغ في النظرات، والبلاهة في الوجوه؛ لإثبات الانحراف والتيه، والشعاثة في الشعر، والشراسة في الملامح .. وخلفيات مظلمة سوداء .. وصفحات الجرائد هي المستند والدليل ..

كل هذا ضروري في مهمة الإعلام الجاهلي، وكله نابع من النظرية الأساسية للإعلام الجاهلي بصورة محددة!

والحقيقة: أن النظرية الإعلامية بصورة محددة .. هي السحر والكهانة.

وهذا هو إعلام الجن والشياطين ببعثة النبي .. يقول فيه أحد الشياطين: «أَلَمْ تَرَ الجِنَّ وَإِبْلاسَهَا، وَيَأْسَهَا مِنْ بَعْدِ إِنْكَاسِهَا، وَلُحُوقَهَا بِالقِلاصِ

(1) جاء في قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك -وكعب بن مالك أحدهم- أن ملك غسان لما علم بأمر رسول الله للمسلمين بمقاطعة الثلاثة، أرسل رسالةً إلى كعب مع رجل نبطي جاء فيها: «أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ قَدْ بلغني أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِك» ..

(2) انظر ابن هشام (1/ 314، 315) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت