الصفحة 112 من 164

-وأننا لا نستطيع صدّ هذا المكر؛ لأن الفاعلية الخبيثة للمكر الجاهلي كادت أن تزيل الجبال، وهو المأخوذ من قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ} [إبراهيم: 46] .

والموقف الصحيح في مواجهة المكر الجاهلي هو الصبر على هذا المكر عندما يكون له أثر في الواقع، وإمهال الكافرين رويدًا حتى ترى الفعل الإلهي ردًّا على هذا المكر؛ لأننا كطرف من الدعوة خارجين فعلًا من دائرة المكر بين الله وأعدائه، وهو المأخوذ من قوله سبحانه: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق: 15 - 17] .

ولذلك تكون أول صيغ الفعل الإلهي في رد المكر الجاهلي هو ارتداد أثره على مدبريه، وهو المأخوذ من قول الله: {وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] .

ذلك أننا غير قادرين على وجه الحقيقة على صد المكر الجاهلي؛ لأنه مكر دائم لا يتوقف لحظة، وهو المأخوذ من قوله سبحانه: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}

[سبأ: 33] .. ولا يكون زمن إلا ليل أو نهار.

-والموقف الصحيح في مواجهة المكر الجاهلي أيضًا هو أن نقف بالدعوة الموقف الصحيح ونعطيها وجودها الشرعي الذي تستحق به الدفاع الرباني عنها وعن أصحابها.

ومما يجعلنا نؤكد على الالتزام الشرعي المطلق في مواجهة الجاهلية هو استحقاق الدفاع الإلهي عن الدعوة، حتى لو خالف ذلك مقتضى التفكير العقلي أو العملي، وهذه هي طبيعة التصور السياسي للحركة الإسلامية.

فلا غدر ولا خيانة؛ لأن الله لا يحب الخائنين ..

ولا ظلم؛ لأن الله لا يحب الظالمين ..

غير أن لمكر الجاهلية خطوطًا ثابتة في كل تجاربها مع الإسلام:

مرحلة التعذيب والقتل الهادفة إلى القضاء على أصحاب هذه الدعوة، وهي المرحلة التي تظن كل الجاهليات أنها المرحلة الحاسمة والنهائية.

ولكن المفاجأة تكون عندما تتجاوز الدعوة هذه المرحلة، فيتجه التفكير الجاهلي إلى مرحلة تقليدية أخرى وهي:

الاستنفار العام، ومعناه: حشد كل القوى الجاهلية وكل أساليبها في مواجهة شاملة مع الدعوة، وهي المرحلة التي يرتفع فيها العداء للدعوة إلى المستوى القومي، وتتحرك فيها الجاهلية في كل الاتجاهات الأمنية والسياسية والإعلامية والاجتماعية، وتكون صيغة الاستنفار العام: {أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 6] .

{امْشُوا} : تحركوا في كل الاتجاهات، {وَاصْبِرُوا} : اثبتوا على آلهتكم التي كادت الدعوة تنسفها نسفًا، {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} : إنها خطة محكمة متفق عليها بين الجميع، ولكلٍّ دوره فيها.

ويثبت أصحاب الدعوة ثباتًا يستحقون به التأييد من الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت