الصفحة 111 من 164

ولعل مضمون هذين المثلين التاريخيين يحقق الإدراك التام لحجم الضرر المترتب على غياب القيادة في واقع الدعوة.

أما الحد النهائي لهذا الخطر فهو أن تغيب القيادة برغبتها وإرادتها؛ والعلة الثابتة دائمًا في هذه الغيبة هو الزهد في السلطة الذي يفهم على أنه إخلاص وتجرد.

وهذا الفهم قد يكون صحيحًا إذا كان هذا الزهد لا يخرج بالسلطة عن إطار الدعوة وأصحابها الحقيقيين، أما أن يزهد أصحاب الدعوة في السلطة لتكون في أيدي أعدائها فتلك هي الجريمة الكبرى.

وهذا عمر مكرم أكبر الشيوخ في مصر التي كانت في مرحلة الانقياد التام لزعامة العلماء يسلم قيادة البلاد لمحمد علي في أغرب تصرف تاريخي بدأت به أكبر مرحلة تواجد علماني في مصر.

وغاية السياسة الجاهلية الثابتة هي: الصد عن سبيل الله، حيث تحاول تحقيقها بمضمون ثابت، هو البحث دائمًا عن أشد فترات الضعف التاريخي للدعوة الإسلامية .. ثم تحليلها ومحاولة إعادتها بكل عناصرها إلى الواقع، لتعيد الضعف المرتبط بتلك العناصر ..

والآن تحاول الجاهلية إعادة بعث هذه المراحل بكل عناصرها:

-إحياء الصراع الديني من خلال إعادة الحروب الصليبية.

-إحياء الصراع الطائفي، عن طريق تأجيج الصراع السني الشيعي.

-إحياء الصراع المذهبي من خلال نفخ الروح في الصوفية بفسادها الاعتقادي وجهلها وسلبيتها وعدائها لأهل السنة، وإعادة إحياء المذاهب الميتة كالمذهب الظاهري، والأشعري وغيرهما.

وبعد قواعد السياسة الجاهلية الأصلية نمتد إلى أخطر عناصرها (عناصر الممارسة السياسية الجاهلية) : المكر السيئ.

المكر السيِّئ:

والمكر هو التدبير الخفي، وقد وصفه الله بالسوء؛ لغلبة الصفة عليه، ولأن مجرد التدبير الخفي قد يكون للخير.

وخطر المكر السيئ يرجع إلى عدة حقائق:

-أننا على وجه الحقيقة لا نتحمل هذا المكر؛ لأن الله وحده هو القادر عليه، وهو سبحانه الذي يصده عنا، وهذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ} [إبراهيم: 46] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت