قاعدة سرقة الكفاح:
والواقع أن تَدَخُّل الجاهلية بعد أن تقطع الدعوة شوطًا هائلًا من طريقها وتقترب من تحقيق هدفها .. له أمثلة تاريخية محددة، نضرب لها مثلًا قديمًا من دعوة موسى .. وهو موقف السامري والعجل بعد أن مرت أشد مراحل الدعوة قسوة وشدة وهي فترة تعبيد فرعون لبني إسرائيل، حيث تم الخروج من مصر؛ ليكون وقوف موسى ببني إسرائيل بين يدي الله عند جبل الطور لأخذ التوراة وإقامة دولة الحق المنشودة، وإذا بموسى يتعجل اللقاء فيسبق بني إسرائيل وتغيب القيادة ليظهر السامري متبنيًا الهدف الذي حدده موسى من قبل وهو لقاء الله عز وجل لتلقي الشريعة.
فيأمر السامري بني إسرائيل بجمع الحلي، وهو التصرف الذي جعل من كل بني إسرائيل صناعًا مشاركين في خطيئة العجل.
وعندئذ انفصلت جماهير بني إسرائيل عن دعوة موسى، فلم يسمعوا لأخيه هارون وتوجهوا نحو العجل، واحتل السامري موقع الزعامة، وكان مضمون تجربة السامري هو أن اقتراب الدعوة من تحقيق أهدافها لا يجعل الجاهلية تسلم بالأمر الواقع، بل تحاول احتواء هذه النتيجة، وإعادتها إلى فترة الضعف الأول ..
ومن المثل القديم .. إلى الواقع الحديث .. بنفس المضمون.
مواقف تاريخية خطيرة جدًّا بلغت خطورتها أن كانت تمثل أخطر المواقف الفارقة في تاريخ الحركة الإسلامية .. وبمضمون واحد لم يتمكن فيه أصحاب الحركة الإسلامية من منع هذا التكرار على مر الزمان، مع تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوقوع في نفس الخطأ مرتين بقوله: «لاَ يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ» [1] .
فمنذ سقطت الخلافة قامت حركات الإحياء الإسلامي بالدعوة إلى الجهاد ومقاومة الجيوش الصليبية -الإنجليزية والفرنسية- في كل الأقاليم الإسلامية ..
في مصر بزعامة مصطفى كامل، ورشيد رضا، ومحب الدين الخطيب، ومصطفى الرافعي، ثم بقيادة حسن البنا والإخوان المسلمون، ومعه صالح حرب الذي أسس الشبان المسلمين.
وفي الجزائر قامت حركة جمعية العلماء بقيادة العلامة عبد الحميد بن باديس ..
وكذلك في ليبيا قامت دعوة الجهاد ضد الإيطاليين إسلامية خالصة بزعامة عمر المختار .. حتى تحوَّلت بعد وقت طويل من الجهاد عن عقيدة أهل السنة والجماعة بواسطة إدريس السنوسي الذي جاءت بعده الثورة الليبية.
وفي كل هذه التجارب كانت النتيجة واحدة: نجاح السامري في اختراق الحركة، وسرقة الكفاح!
غير أن أخصب هذه التجارب وأحقها بالدراسة، كانت تجربة الإخوان المسلمون:
(1) صحيح البخارى (20/ 302) .