الصفحة 69 من 80

في المدينة على خلع إمامهم العادل يزيد بن معاوية وينسب إليه ما ليس فيه، ومن ذلك زعمه أن يزيد يشرب الخمر -كما هي فكرة عبد السلام ياسين- ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب. فقال له محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية: (ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده، فرأيته مواظبًا على الصلاة، متحريًا للخير، يسأل عن الفقه ملازمًا للسنة) . قالوا له: فإن ذلك كان منه تصنعًا لك، فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلي الخشوع؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا الحق وإن لم نكن رأيناه فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [1] ولست من أمركم في شيء. قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك؟ فنحن نوليك أمرنا قال: ما أستحل القتال على ما تريدونني عليه تابعًا ولا متبوعًا قالوا: فقد قاتلت مع أبيك، قال جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه، فقالوا: فمر ابنيك أبا القاسم، والقاسم، بالقتال معنا، قال: سبحان الله. آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه؟ إذن ما نصحت لله في عباده، قالوا: إذن نكرهك، قال: إذن آمر الناس بتقوى الله وألا يرضوا المخلوق بمعصية الخالق، وخرج إلى مكة) [2] وجاء في كتاب الإمارة من (صحيح مسلم) : أن ابن عمر ذهب في تلك المناسبة إلى عبد الله بن مطيع، فقال ابن مطيع لرجاله: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال له ابن عمر: إني لم آتيك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثًا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله: (من خلع يدًا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة معه، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) [3] وفي كتاب الفتن من صحيح البخاري: أن أهل المدينة لما خلعوا يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة) . وأنا قد بايعنا هذا الرجل (يعني: إمام المسلمين في وقته يزيد بن معاوية) . على بيع الله ورسوله وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه. وهذه شهادة ممن زعم ياسين أنه أُخذت منه البيعة بالسيف، وإليك قول من زعم أنه أخذت منه البيعة بالسيف أيضًا: ألا وهو حبر الأمة عبد الله بن عباس يشهد ليزيد بن معاوية بالعلم والحلم والوقار، حين وفد (أي: ابن عباس) . على أمير المؤمنين معاوية بعد وفاة الحسن بن علي فدخل على ابن عباس وجلس منه مجلس المعزي فلما نهض يزيد من عنده قال ابن عباس: (إذا ذهب بنو حرب ذهب علماء الناس) . وبنو حرب هم أبناء أبي سفيان صخر بن حرب، وهذا ما يشهد به الشيعة المعتدلون أنفسهم، يقول محقق كتاب (العواصم من القواصم) . للحافظ ابن العربي: (كنا أيام طلب العلم في القسطنطينية في مجلس للطلبة يتنافسون في موضوع سيرة معاوية وخلافته، وكان ذلك في أيام السلطان عبد الحميد، فوقف صديقي الشهيد السعيد عبد الكريم قاسم الخليل -وكان شيعيًا- فقاتل:(أنتم تسمون سلطاننا خليفة، وأنا أخوكم الشيعي أعلن أن يزيد بن معاوية كان بسيرته الطيبة أحق بالخلافة وأصدق عملًا بالشرع المحمدي من خليفتنا، فكيف بأبيه معاوية) . على أن معاوية كان يقول عن نفسه -فيما رواه خيثمة عن هارون بن معروف عن ضمرة عن ابن شوذب-: (أنا أول الملوك وآخر خليفة) . وتقدم حديث معمر عن الزهري: (إن معاوية عمل سنتين عمل عمر ما يخرم فيه) ... بل إن معاوية نفسه ذكر ذلك لعمر لما قدم عمر الشام وتلقاه معاوية في موكب عظيم فاستنكر عمر ذلك، واعتذر له معاوية بقوله: (إنا بأرض جواسيس العدو فيها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يكون فيه عز للإسلام وأهله ونرهبهم به) . فقال عبد الرحمن بن عوف لعمر: (ما أحسن ما صدر عما أوردته فيه يا أمير المؤمنين) فقال عمر: (من أجل ذلك جشمناه ما جشمناه) [4] ... وروى ابن أبي الدنيا عن أبي كريب محمد بن العلاء الهمداني الحافظ عن رشدين المصري [5] عن عمرو بن الحارث الأنصاري المصري عن بكير بن الأشج المخزومي المدني ثم المصري أن معاوية قال ليزيد: (كيف تراك فاعلًا إن وليت؟ قال: كنت والله يا أبه عاملًا فيهم عمل عمر بن الخطاب. فقال معاوية: سبحان الله يا بني والله لقد جهدت على سيرة عثمان فما أطقتها، فكيف بك وسيرة عمر) [6] ثم قال ياسين: (وأن أبا سفيان، أب معاوية، كان وقع زمن الجاهلية على سمية وزنى بها. وأن زيادًا ابنه من الزنى، فاستحلقه معاوية بنسبه، وأمّره على البصرة ثم الكوفة. وكان من دعائم الدولة الأموية هو ابنه عبيد الله من بعده) . وهذه من جاهلية عبد السلام ياسين فلنتعامل معه بما رواه أحمد (من تعزا بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا له) . أي: قولوا له صراحة لا كناية: (اذهب وارضع ذكر أبيك) . قلت: وربما سنوفق في إخراج الرسالة في فضائل خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان. فالطعن في صحابي واحد هو طعن فيهم جميعًا ولا يطعن فيهم إلا زنديق. قال الحافظ أبو زرعة (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، لأن الرسول حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة) [7] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من سبهم -يعني الصحابة- فقد زاد على بغضهم فيجب أن يكون منافقًا، لا يؤمن

(1) - سورة الزخرف الآية: (86) .

(2) - انظر: (البداية والنهاية) (8/ 233) لابن كثير و (الخطوط العريضة) للشيخ محب الدين الخطيب.

(3) - رواه مسلم في (صحيحه) كتاب الإمارة (ك/33/ح58/ ج6/ 22) .

(4) - انظر: (البداية والنهاية) (8/ 124/125) و (العواصم) (ص216) .

(5) - وقد سمعت في دار الحديث في مكة المكرمة من شيخنا محمد علي بن آدم يقول:

وليس في الرجال من رشدين -موثقًا فخذه عن يقين.

(6) - انظر: (البداية) (8/ 229) لابن كثير.

(7) - انظر: (الكفاية في علم الرواية) (ص97) للخطيب البغدادي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت