خلف الصلاة جماعة، لأنها بدعة، فالإثم على من كرهه لا على الإمام، فالمخالف للسنة صلاته غير مقبولة، والذي يأتم به صلاته باطلة أيضًا، وهذا قول سائر العلماء، قلت: استدل بهذا الخطابي والنووي: على أن الإمام الذي يخالف السنة صلاته غير مقبولة، إذا كان المقتدون به يكرهون إمامته لمخالفته السنة، وإذا كانت صلاته غير مقبولة، فصلاة المأمومين -الذي يأتمون به- غير مقبولة كذلك، لاتفاق المذاهب على بطلان صلاة المأموم الذي يصلي وراء الإمام الذي يعلم أن صلاته باطلة، وقالوا من فرق بين الصحة والقبول مخالف لصريح الأحاديث الصحيحة الصريحة بدون دليل. وقالوا أيضًا: إن اصطلاح الشارع، التعبير عن عدم صحة الصلاة (بعدم القبول) . كما يدل عليه أحاديث كثيرة، منها حديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) [1] يعني: لا تصح صلاة من أحدث، وحديث: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول) [2] أي: لا تصح، وهذا واضح عند من شم رائحة اللغة، وبحديث مسلم وأحمد واللفظ لأحمد: (عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من نبي بعثه الله عز وجل في أمة قبلي إلا كان له من أمّته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تَخْلُف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون) [3] وفي رواية: ( ... فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) . قالوا: فيه الإخبار عن المبتدعة الذين سيكونون في الأمة، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم: من جاهدهم وشهد له بالإيمان، وأخبر أن من لم يجاهدهم فليس عنده من الإيمان حبة خردل، ثم قالوا: لا يخفى أن أعظم جهاد يجاهد به المؤمن المبتدعة هو ترك الصلاة وراءهم، لأنهم يتأثرون بذلك ويتألمون، قلت: فما ينبغي أن يوقر صاحب البدعة بالصلاة وراءه، واستدلوا أيضًا: بما هو مقرر في الإسلام: (أن من حضر في المكان الذي يكون المنكر فيه ظاهرًا وجب عليه أن يغيره، فإن لم يقدر وجب عليه أن يخرج من ذلك المكان فإن لم يخرج كان عاصياَ مثل الذين فعلوا المنكر، كما يدل عليه قوله تعالى:(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا ... ) . الآية وقد أطلت الحديث عن معنى هذه الآية في كتابي (القول السديد في بيان أن دخول البرلمان مناف للتوحيد) . فالمصلي إذا رأى إمامه يخالف السنة يجب عليه أن ينكر عليه مخالفته للسنة، فإن لم يقدر فلا يجوز له أن يبقى معه في المسجد الذي هو فيه، وإلا كان عاصيًا مثله، واستدلوا أيضًا: بالإخلاص والبراءة من النفاق في ترك الصلاة وراء المخالف للسنة، لأن الرجل الذي يعلم أن الإمام الذي يصلي وراءه مخالف للسنة يكون معظمًا له بصلاته وراءه، شاهدًا له بالفضل الذي أثبته له بالإمامة.
(1) - متفق عليه، البخاري: كتاب الوضوء رقم 132 وكتاب الحيل رقم 6440 ومسلم: الطهارة برقم 330 والترمذي في كتاب الطهارة رقم 71 وأبو داود في الطهارة برقم 55 وأحمد في المسند كتاب باقي مسند المكثرين، برقم 7875.
(2) - رواه مسلم: برقم 224 وأبو داود في الطهارة رقم 54 والترمذي والنسائي في كتاب الطهارة 139 وكتاب الزكاة 2477 وابن ماجة كتاب الطهارة وسننها باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور، برقم 270 - 267 - 369 وأحمد في مسند البصريين، برقم 19786 والدارمي في السنن كتاب الطهارة رقم 683، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
(3) - رواه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان رقم: 71 وأحمد في مسنده كتاب مسند المكثرين من الصحابة، رقم: 4170 - 4148.