الصفحة 58 من 111

وأما حديث أنس فليس فيه تقديم الصلاة على القيلولة التي عند الزوال، وإنما فيه أنهم كانوا في سائر الأيام يقيلون بعد الزوال، أما في يوم الجمعة فلا يمكنهم ذلك لاشتغالهم بالاستعداد لصلاة الجمعة من الغسل وغيره، فيؤخرون القائلة إلى بعد الصلاة [1] هذه أجوبة الجمهور، لكن يبقى حديث جابر دليلًا لا يخلو من وجاهة على جواز صلاتها قبل الزوال، لكن قوله: حين تزول الشمس لم يصرح الراوي بأنه من قول جابر في هذه الرواية، فيحتمل أن يكون من قول جعفر بن محمد الصادق كما في الرواية الأخرى عند مسلم وأحمد: قال حسن قلت لجعفر: ومتى ذاك؟ قال: زوال الشمس. ولو سلم أنه من قول جابر فيحتمل أنه قصد أن صلاة الجمعة عند الزوال لا إراحة الجمال فإنه قال: كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم نرجع فنريح نواضحنا قال حسن فقلت لجعفر: في أي ساعة تلك؟ قال: زوال الشمس. فسؤاله: في أي ساعة تلك قد يكون عن صلاة الجمعة لا عن إراحة الجمال، بل لو قيل إنه الأقرب لما كان بعيدًا، إذ أن وقت صلاتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الحريّ بأن يُسأل عنه وأن يكون موضع اهتمامهم، ولذلك استدل ابن حزم بالحديث نفسه على أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس [2] . ثم اختلف الحنابلة القائلون بجوازها قبل الزوال في أول وقتها، فاختار الخرقي أنه الساعة السادسة يعني آخر ساعة قبل الزوال، ولا يصح فعلها قبل ذلك، ومال إليه ابن قدامة.

وذهب القاضي وأصحابه إلى أنه يجوز فعلها في وقت صلاة العيد، وهي رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وقوَّوا قولهم هذا بفعل ابن الزبير حيث صلاها في يوم عيد في وقت صلاة العيد ولم يصل شيئًا حتى العصر ووافقه ابن عباس بقوله: [أصاب السنة] [3] .

(1) فتح الباري 2/ 428.

(2) المحلى 5/ 42 - 45.

(3) أخرجه النسائي - كتاب الجمعة - باب اجتماع العيدين. وأبو داود - تفريع أبواب الجمعة - باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد. وابن خزيمة 2/ 359 وبوّب عليه فقال: باب الرخصة للإمام = إذا اجتمع العيدان والجمعة أن يعيد بهم ولا يجمّع بهم إن كان ابن عباس أراد بقوله أصاب ابن الزبير السنّةَ سنّةَ النبي صلى الله عليه وسلم اهـ وابن حزم في الإحكام من طريق النسائي والحديث رجاله رجال الصحيح، وقال النووي: إسناده على شرط مسلم كما في نصب الراية 2/ 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت