الصفحة 94 من 167

عنه ولم يخالفه أحد من الصحابة؛ فهذا محل النزاع: هل هو حجة على غير الصحابة من المجتهدين أم لا؟

قال ابن عاصم:

والقول إن يرو عن الصحابة .. دون مخالف يرى اجتنابه

إن كان عندهم من المنتشر .. فهو بالإجماع السكوتي حري

أو كان لم يذع فإن مالكا .. يراه حجة فخذ بذلكا

وأقوال الأصوليين في المسألة يمكن تصنيفها إلى ثلاثة مذاهب:

أ- قول الصحابي حجة مطلقا:

وقيدوا ذلك بأن يكون النقل عن الصحابي صحيح السند وألا يخالف قول الصحابي حديثا مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وألا يكون قول الصحابي قد ورد تفسيرا لآية أو حديث أو بيانا لمقصد شرعي؛ فإن كل ما كان من تفسير النصوص وبيانها وإدراك مقاصد الشرع ومعانيه يُقدم فيه قول الصحابي بلا نزاع، وهذا قول الأئمة الأربعة وجمهور الأمة أنه حجة خلافا للمتكلمين، فهو مذهب أكثر الحنفية وهو المشهور من مذهب الإمام مالك ومذهب الشافعي في القديم ورواية عن الإمام أحمد واختاره جمع من أصحابه.

قال ابن تيمية:"وإن قال بعضهم قولا ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع، وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك وأحمد -في المشهور عنه- والشافعي في أحد قوليه، وفي كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع، ولكن من الناس من يقول: هذا هو القول القديم".

* أدلته:

-ذكر ابن القيم في (إعلام الموقعين) لحجية قول الصحابي ستا وأربعين وجها [1]

(1) من هذه الوجوه قوله:"أن الصحابي إذا قال قولا أو حكم بحكم أو أفتى بفتيا فله مدارك ينفرد بها عنا، ومدارك نشاركه فيها، فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - شفاها أو من صحابي آخر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به، فلم يرو كل منهم كل ما سمع، وأين ما سمعه الصديق -رضي الله عنه- والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة -رضي الله عنهم- إلى ما رووه؟ فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث، وهو لم يغب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بعث بل قبل البعث إلى أن توفي، وكان أعلم الأمة به - صلى الله عليه وسلم - بقوله وفعله وهديه وسيرته، وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جدا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم، وشاهدوه، ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافا مضاعفة، فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين، وقد روى عنه الكثير، فقول القائل:"لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لذكره"، قولُ من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقص، ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - مرارا، ولا يصرحون بالسماع، ولا يقولون: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فتلك الفتوى التي يفتي بها أحدهم لا تخرج عن ستة أوجه:"

-... أحدها: أن يكون سمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم -.

-... الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه.

-... الثالث: أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهما خفي علينا.

-... الرابع: أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم، ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.

-... الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور فهموها على طول الزمان من رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ومشاهدة أفعاله، وأحواله وسيرته وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله بالفعل، فيكون فهم ما لا نفهمه نحن، وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة يجب اتباعها.

-... السادس: أن يكون فهم ما لم يرده الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأخطأ في فهمه، والمراد غير ما فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة.

ومعلوم قطعا أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين، هذا ما لا يشك فيه عاقل، وذلك يفيد ظنا غالبا قويا على أن الصواب في قوله دون ما خالفه من أقوال من بعده، وليس المطلوب إلا الظن الغالب، والعمل به متعين، ويكفي العارف هذا الوجه.

ثم قال -رحمه الله-:" [من وجوه فضل الصحابة] هذا فيما انفردوا به عنا، أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أبر قلوبا، وأعمق علما، وأقل تكلفا، وأقرب إلى أن يوفقوا فيها لما لم نوفق له نحن؛ لما خصهم الله تعالى به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك وسرعته، وقلة المعارض أو عدمه، وحسن القصد، وتقوى الرب تعالى؛ فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين، بل قد غنوا عن ذلك كله، فليس في حقهم إلا أمران: أحدهما: قال الله تعالى كذا، وقال رسوله كذا، والثاني: معناه كذا وكذا، وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما، فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما، وأما المتأخرون فقواهم متفرقة، وهممهم متشعبة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول وقواعدها قد أخذت منها شعبة، وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة، وفكرهم في كلام مصنفيهم وشيوخهم على اختلافهم، وما أرادوا به قد أخذ منها شعبة، إلى غير ذلك من الأمور، فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية إن كان لهم همم تسافر إليها وصلوا إليها بقلوب وأذهان قد كلت من السير في غيرها وأوهن قواهم مواصلة السرى في سواها، فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب تلك القوة، وهذا أمر يحس به الناظر في مسألة إذا استعمل قوى ذهنه في غيرها، ثم صار إليها وافاها بذهن كال وقوة ضعيفة، وهذا شأن من استفرغ قواه في الأعمال غير المشروعة تضعف قوته عند العمل المشروع، كمن استفرغ قوته في السماع الشيطاني فإذا جاء قيام الليل قام إلى ورده بقوة كالة وعزيمة باردة، وكذلك من صرف قوى حبه، وإرادته إلى الصور أو المال أو الجاه، فإذا طالب قلبه بمحبة الله فإن انجذب معه انجذب بقوة ضعيفة قد استفرغها في محبة غيره، فمن استفرغ قوى فكره في كلام الناس، فإذا جاء إلى كلام الله ورسوله جاء بفكرة كالة فأعطى بحسب ذلك."

والمقصود أن الصحابة أغناهم الله تعالى عن ذلك كله، فاجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط، هذا إلى ما خصوا به من قوى الأذهان وصفائها، وصحتها وقوة إدراكها، وكماله، وكثرة المعاون، وقلة الصارف، وقرب العهد بنور النبوة، والتلقي من تلك المشكاة النبوية، فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما تميزوا به علينا، وما شاركناهم فيه فكيف نكون نحن أو شيوخنا أو شيوخهم أو من قلدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل؟ ومن حدث نفسه بهذا فليعزلها من الدين والعمل، والله المستعان.""

وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة يجب اتباعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت