الصفحة 92 من 167

قال ابن القيم:"إن لم يخالف الصحابي صحابيا آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر، فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة، وقالت طائفة منهم هو حجة وليس بإجماع، وقال شرذمة من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعا ولا حجة."

-إن انتشر وخالفه صحابي فيلزم الترجيح بالنظر في الأدلة: صورته أن يقول صحابي قولا ويخالفه آخر في نفس المسألة فلا يجوز الأخذ بقول أحدهما بدون دليل مرجح لأن أحد القولين فقط صواب [1]

(1) هل المصيب واحد في مسائل الاجتهاد وهل يأثم المخالف؟

أما التأثيم؛ فقول الجمهور أن المجتهد المخطئ لا إثم عليه، كان الصحابة والأئمة الأربعة -رضي الله عنهم- وجمهور السلف يطلقون لفظ الخطأ على غير العمد وإن لم يكن إثما كما نطق بذلك القرآن والسنة في غير موضع، كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق على صحته: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر) ، وذهب بشر المريسي وأبو بكر الأصم لكون المخطئ في الأصول آثم ونسبه ابن تيمية إلى معتزلة بغداد وقال كذلك:"ولم يفرق أحد من السلف والأئمة بين أصول وفروع بل جعل الدين قسمين (أصولا وفروعًا) لم يكن معروفًا في الصحابة والتابعين، ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين أن المجتهد الذي استفرغ وسعه في طلب الحق يأثم لا في الأصول ولا في الفروع، ولكن هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة وأدخله في أصول الفقه من نقل ذلك عنهم."

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية:"إجماع سلف الأمة على أن المصيب عند الله واحد في جميع المسائل."

قال الإمام مالك:"والذي أذهب إليه أن الحق في واحد وأن من حكم بغيره فقد حكم بغير الحق، ولكننا لم نكلف إصابته وإنما كلفنا الاجتهاد في طلبه، فمن لم يجتهد في طلبه فقد أثم، ومن اجتهد فأصابه فقد أجر أجرين: أجر الاجتهاد، وأجر إصابة الحق، ومن اجتهد فأخطأ فقد أجر أجرا واحدا لاجتهاده ولم يأثم لخطئه."

فالاجتهاد المقبول لا بد أن يكون صادرا ممن حقق شروطه واكتسب آلته ولا يقبل من جاهل وعلى المجتهد بذل جهده للوصول للحق، قال ابن تيمية:"المجتهد الذي اتقى الله ما استطاع، وابتغى طلب العلم بحسب الإمكان، وتكلم ابتغاء وجه الله، وعلم رجحان دليل على دليل، فقال بموجب الراجح، فهذا مطيع لله مأجور أجرين إن أصاب، وإن أخطأ أجرًا واحدًا، ومن قال كل مجتهد مصيب بمعنى أنه مطيع لله فقد صدق، ومن قال المصيب لا يكون إلا واحدًا، وإن الحق لا يكون إلا واحدًا، ومن لم يعلمه فقد أخطأ بمعنى أنه لم يعلم الحق في نفس الأمر فقد صدق، كما بسط هذا في مواضع."

والمقصود أن من تكلم بلا علم يسوغ وقال غير الحق يسمى كاذبًا، فكيف بمن نقل عن كلام موجود خلاف ما هو فيه مما يعرف كل من تدبر الكلام أن هذا نقل باطل؟ فإن مثل هذا كذب ظاهر، والأولى على صاحبه إثم الكذب.""

وقال أيضا:"تنازع أصحابنا فيمن لم يصب الحكم الباطن: هل يقال: إنه مصيب في الظاهر لكونه أدى الواجب المقدور عليه من اجتهاده واقتصاره؟ أو لا يطلق عليه اسم الإصابة بحال، وإن كان له أجر على اجتهاده وقصده الحق؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، وذلك لأنه لم يصب الحكم الباطن ولكن قصد الحق، وهل اجتهد الاجتهاد المأمور به؟"

التحقيق: أنه اجتهد الاجتهاد المقدور عليه فهو مصيب من هذا الوجه من جهة المأمور المقدور، وإن لم يكن مصيبًا من جهة إدراك المطلوب وفعل المأمور المطلق"."

قال ابن القاسم:"سمعت مالكا والليث بن سعد يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك أن أناسا يقولون: في ذلك توسعة فقال:"ليس كذلك إنما هو خطأ وصواب"، قال إسماعيل القاضي: إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توسعة في اجتهاد الرأي، فأما أن يكون توسعة لأن يقول الناس بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا."

وسئل مالك عمن أخذ بحديث حدثه ثقة عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتراه من ذلك في سعة؟ فقال: لا والله حتى يصيب الحق وما الحق إلا واحد، قولان مختلفان يكونان صوابا جميعا وما الحق والصواب إلا واحد"."

قال الحافظ ابن عبد البر:"الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله، قال المزني:"يقال لمن جوز الاختلاف وزعم أن العالمين إذا اجتهدا في الحادثة فقال أحدهما: حلال، وقال الآخر: حرام، فقد أدى كل واحد منهما جهده وما كلف، وهو في اجتهاده مصيب الحق، أبأصل قلت هذا أم بقياس؟ فإن قال: بأصل، قيل له: كيف يكون أصلا والكتاب أصل ينفي الخلاف، وإن قال بقياس قيل: كيف تكون الأصول تنفي الخلاف، ويجوز لك أن تقيس عليها جواز الخلاف؟ هذا ما لا يجوزه عاقل فضلا عن عالم ويقال له: أليس إذا ثبت حديثان مختلفان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معنى واحد فأحله أحدهما وحرمه الآخر وفي كتاب الله أو في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دليل على إثبات أحدهما ونفي الآخر أليس يثبت الذي يثبته الدليل ويبطل الآخر ويبطل الحكم به، فإن خفي الدليل على أحدهما وأشكل الأمر فيهما وجب الوقوف؟ فإذا قال: نعم -ولا بد من نعم، وإلا خالف جماعة العلماء-؛ قيل له: فلم لا تصنع هذا برأي العالمين المختلفين؟ فتثبت منهما ما أثبته الدليل وتبطل ما أبطله الدليل؟"قال أبو عمر: ما ألزمه المزني عندي لازم؛ فلذلك ذكرته وأضفته إلى قائله؛ لأنه يقال: إن من بركة العلم أن تضيف الشيء إلى قائله."

ومن ذلك صنيع الإمام مالك في (المدونة) :"قلت أرأيت الإبل الضوال إذا رفعت إلى الوالي، هل كان مالك يأمر الوالي أن يبيعها ويرفع أثمانها إلى أربابها كما يصنع عثمان في ضوال الإبل، باعها وحبس أثمانها على أربابها؟"

قال: قال مالك: لا تباع ضوال الإبل، ولكن تعرف، فإن لم توجد أربابها ردت إلى المواضع التي أصيبت فيها. قال: وكذلك جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال: أرسلها في المواضع التي وجدتها فيها. وإنما كان مالك يأخذ بحديث عمر في هذا. قال مالك وقد استشارني بعض الولاة فأشرت عليه بذلك."فرجح الإمام الأخذ بقول عمر وترك قول عثمان -رضي الله عنهما-."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت